محمد جمال الدين القاسمي

16

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 38 إلى 39 ] فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 38 ) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 ) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ أي من البر والصلة . واستدل به أبو حنيفة رحمه اللّه على وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب . لأن ( آت ) أمر للوجوب . والظاهر من ( الحق ) بقرينة ما قبله أنه ماليّ ، وهو استدلال متين وَالْمِسْكِينَ وهو الذي لا شيء له ينفق عليه . أو له شيء لا يقوم بكفايته وَابْنَ السَّبِيلِ أي السائل فيه ، والذي انقطع به . وحقهما هو نصيبهما من الصدقة والمواساة ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي النظر إليه يوم القيامة . وهو الغاية القصوى . أو يريدون ذاته بمعروفهم لا رياء ولا سمعة ، ولا مكافأة يد . كما قال تعالى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى [ الليل : 18 - 20 ] ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي في الدنيا والآخرة وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً أي مال ترابون فيه لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ أي ليزيد في أموالهم ، إذ تأخذون فيه أكثر منه فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ أي لا يزكو ولا ينمو ولا يبارك فيه . بل يمحقه محق ما لا عاقبة له عنده إلا الوبال والنكال . وذكر في تفسيرها معنى آخر ، وهو أن يهب الرجل للرجل ، أو يهدي له ليعوّضه أكثر مما وهب أو أهدى . فليست تلك الزيادة بحرام . وتسميتها ربا مجاز ، لأنها سبب الزيادة . قال ابن كثير : وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه . إلا أنه نهى عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة ، قال الضحاك ، واستدل بقوله تعالى : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [ المدثر : 6 ] ، أي لا تعط العطاء ، تريد أكثر منه . وقال ابن عباس : الربا رباءان ، فربا لا يصح ، يعني ربا البيع ، وربا لا بأس به ، وهو هدية الرجل ، يريد فضلها وإضعافها . انتهى . وأقول : في ذلك كله نظر من وجوه : الأول - أن هذه الآية شبيهة بآية يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ [ البقرة : 276 ] ، وهي في ربا البيع الذي كان فاشيا في أهل مكة حتى صار ملكة راسخة فيهم ، امتصوا بها ثروة كثير من البؤساء ، مما خرج عن طور الرحمة والشفقة والكمال