محمد جمال الدين القاسمي

17

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

البشريّ . فنعى عليهم حالهم ، طلبا لتزكيتهم بتوبتهم منه . ثم أكّد ذلك في مثل هذه الآية . مبالغة في الزجر . الثاني - أن الربا ، على ما ذكر ، مجاز . والأصل في الإطلاق الحقيقة ، إلا لصارف يرشد إليه دليل الشرع ، أو العقل . ولا واحد منهما هنا ، إذ لا موجب له . الثالث - دعوى أن الهبة المذكورة مباحة ، لا بأس بها بعد كونها هي المرادة من الآية - بعيدة غاية البعد . لأن في أسلوبها من الترهيب والتحذير ما يجعلها في مصافّ المحرمات . ودلالة الأسلوب من أدلة التنزيل القوية ، كما تقرر في موضعه . الرابع - زعم أن المنهيّ عنه هو الحضرة النبوية خاصة ، لا دليل عليه إلّا ظاهر الخطاب . وليس قاطعا . لأن اختصاص الخطاب لا يوجب اختصاص الحكم على التحقيق . لا يقال الأصل وجوب حمل اللفظ على حقيقته ، وحمله على المجاز لا يكون إلا بدليل ، وكذا ما يقال إن ثبوت الحكم في غير محل الخطاب يفتقر إلى دليل - لأنا نقول : الأصل في التشريعات العموم ، إلا ما قام الدليل القاطع على التخصيص بالتنصيص ، وليس منه شيء هنا . وقد عهد في التنزيل تخصيص مراد به التعميم إجماعا . كآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [ الأحزاب : 1 ] ، وأمثالها . الخامس - أن في هذا المنهيّ عنه من إصعاد المرء إلى ذروة المحسنين الأعفّاء ، الذين لا يتبعون قلوبهم نفقتهم ، ما يبيّن أنه شامل لسائرهم . لما فيه من تربية إرادتهم وتهذيب أخلاقهم . بل لو قيل إن الخطاب له صلوات اللّه عليه ، والمراد غيره ، كما قالوه في كثير من الآي - لم يبعد . لما تقرر من عصمته ونزاهته عن هذا الخلق ، في سيرته الزكيّة . وحينئذ فالوجه في الآية هو الأول ، وعليه المعوّل . واللّه أعلم وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ أي مال تتزكون به من رجس الشح ودنس البخل تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ أي ذوو الأضعاف من الثواب . جمع ( مضعف ) اسم فاعل ( من أضعف ) إذا صار ذا ضعف ، ( بكسر فسكون ) بأن يضاف له ثواب ما أعطاه . ( كأقوى وأيسر ) إذا صار ذا قوة ويسار . فهو لصيرورة الفاعل ذا أصله . أو الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم ببركة ما أنفقوا . على أنه من ( أضعف ) والهمزة للتعدية ، ومفعوله محذوف ، وهو ما ذكر . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 40 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 40 )