محمد جمال الدين القاسمي

5

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

مهيمنا عليها . أو متناهيا في الاستقامة والاعتدال . فيكون تأكيدا لما دل عليه نفي العوج . مع إفادة كون ذلك من صفاته الذاتية اللازمة له ، حسبما تنبئ عنه الصيغة . وانتصابه بمضمر تقديره ( جعله ) كما ذكرنا . على أنه جملة مستأنفة . وفيه وجوه أخر . تنبيه : ذهب القاشانيّ أن الضمير في ( له ) وما بعده لقوله : عَبْدِهِ قال : أي لم يجعل لعبده زيغا وميلا . وجعله قيّما ، يعني مستقيما ، كما أمر بقوله فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : 112 ] ، أو قيّما بأمر العباد وهدايتهم ، إذ التكميل يترتب على الكمال . لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، لما فرغ من تقويم نفسه وتزكيتها ، أقيمت نفوس أمته مقام نفسه . فأمر بتقويمها وتزكيتها . ولهذا المعنى سمي إبراهيم ، صلوات اللّه عليه ، أمة . وهذه القيّميّة أي القيام بهداية الناس ، داخلة في الاستقامة المأمور هو بها في الحقيقة ، انتهى . والأظهر الوجه الأول . وقوله تعالى لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ أي لينذر من خالفه ولم يؤمن به ، عذابا شديدا عاجلا أو آجلا . و ( البأس ) : القهر والعذاب ، وخصصه بقوله مِنْ لَدُنْهُ إشارة إلى زيادة هوله . ولذلك عظمه بالتنكير . متعلق ب ( أنزل ) أو بعامل ( قيما ) وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ أي به . وقال القاشاني : أي الموحدين ، لكونهم في مقابلة المشركين ، الذين قالوا اتخذ اللّه ولدا . وقوله تعالى : الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أي من الخيرات والفضائل أَنَّ لَهُمْ أي بأن لهم ، بمقابلة إيمانهم وأعمالهم المذكورة أَجْراً حَسَناً وهو الجنة ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 4 ] وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ( 4 ) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً وهم مشركو العرب في قولهم ( الملائكة بنات اللّه ) والنصارى في ( دعواهم المسيح ابن اللّه ) وخصهم بالذكر ، وكرر الإنذار متعلقا بهم ، استعظاما لكفرهم . وترك إجراء الموصول على الموصوف كما فعل في قوله تعالى وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ للإيذان بكفاية ما في حيز الصلة ، في الكفر على أقبح الوجوه .