محمد جمال الدين القاسمي

6

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 5 ] ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ( 5 ) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ أي ما لهم بالولد ، أو باتخاذه ، أو بالقول ، من علم . بل إنما يصدر عن جهل مفرط ، وتوهم كاذب ، وتقليد للآباء . لا عن علم يقين ، ويقين . ويؤيده قوله : كَبُرَتْ كَلِمَةً أي ما أكبرها كلمة تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وذلك لأن الولد مستحيل لا معنى له . إذ العلم اليقيني يشهد أن الوجود الواجبي أحدي الذات ، لا يماثله الوجود الممكن . والولد هو المماثل لوالده في النوع ، المكافئ له في القوة . وجملة ( تخرج من أفواههم ) صفة ل ( كلمة ) تفيد استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواههم . قال الشهاب : لأن المعنى : كبر خروجها . أي عظمت بشاعته وقباحته ، بمجرد التفوه . فما بالك باعتقاده إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً أي قولا كذبا لا يكاد يدخل تحت إمكان الصدق أصلا . وذلك لتطابق الدليل القطعي ، والوجدان الذوقي على إحالته . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 6 ] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ أي مهلك نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ يعني القرآن أَسَفاً أي لتأسف على توليهم وإعراضهم عنه . أو متأسفا عليهم . و ( الأسف ) فرط الحزن والغضب . وفي ( العناية ) : لعل للترجي . وهو الطمع في الوقوع أو الإشفاق منه . وهي هنا استعارة . أي وصلت إلى حالة يتوقع منك الناس ذلك . لما يشاهد من تأسفك على عدم إيمانهم . وفي النظم الكريم استعارة تمثيلية بتشبيه حاله معهم ، وقد تولوا ، وهو آسف من عدم هدايتهم ، بحال من فارقته أحبته . فهمّ بقتل نفسه . أو كاد يهلك وجدا عليهم وتحسرا على آثارهم . وسر ذلك - كما قال القاشاني - أن الشفقة على خلق اللّه والرحمة عليهم من لوازم محبة اللّه ونتائجه . ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم حبيب اللّه ، ومن لوازم محبوبيته محبته للّه لقوله يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ، وكلما كانت محبته للحق أقوى ، كانت شفقته ورحمته على خلقه أكثر . لكون الشفقة عليهم ظل محبته للّه ، وأشد تعطفه عليهم . فإنهم كأولاده وأقاربه . بل كأعضائه وجوارحه في الشهود الحقيقيّ . فلذلك بالغ في التأسف عليهم ، حتى كاد يهلك نفسه . وقوله تعالى :