محمد جمال الدين القاسمي
23
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
إذ شاء اللّه أن تقوله . فالآية بمثابة العناية به والتلطيف بالخطاب ، إثر ما يومئ إليه النهي إليها من رقيق العتاب ولذلك اعترضت بين سابق النهي عن استفتائهم ، ولا حق الأمر بذكره تعالى إذا نسي ، أي نسي ما وصّي به . وبما ذكرنا يعلم أن هذا المعنى له وجه وجيه . فدعوى الناصر في ( الانتصاف ) أنه ليس هو الغرض ، وأن الغرض النهي عن هذا القول إلا مقرونا بمشيئته تعالى - قصر للآية على أحد معانيها ، وذهاب إلى ما هو المشهور في تأويلها ، وعدم تمعن في مثل هذا المعنى الدقيق ، بل وفي بقية المعاني الأخر التي اللفظ الكريم يحتملها . وقد ظهر قوة المعنى الأخير لموافقته لآية وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ * [ الإنسان : 30 ] ، والقرآن يفسر بعضه بعضا . واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى : وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً أي خيرا ومنفعة . والإشارة ، للنبأ المتحاور فيه . تنبيهات : الأول - روي أنه صلوات اللّه عليه سئل عن أصحاب الكهف والروح وذي القرنين ، فقال : أجيبكم عنها غدا ولم يستثن . فاحتبس الوحي خمسة عشر يوما ، ثم نزلت وَلا تَقُولَنَّ الآية . وقد زيف هذه الرواية القاضي - كما حكاه الرازيّ - من أوجه . والحق له . لأنها من مرويات ابن إسحاق عن شيخ مجهول . كما ساقه عنه ابن كثير وغيره ، واللّه أعلم . الثاني - يشير قوله تعالى : وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي الآية ، إلى أن هذا النبأ ليس مما تنبغي العناية بتحقيقه وتدقيق أطرافه ، وابتغاء الرشاد فيه ، حتى يتكلف لفتوى أهل الكتاب فيه . العزم على فعل شيء مما يلابسه في المستقبل ، لأنه من الأمور الغابرة التي حق الخائض فيها أن ينظر منها إلى وجه العبرة والفوائد التي حوتها ، كما أحكمته آيات التنزيل في شأنها . الثالث اعترضت هذه الآداب أعني من قوله تعالى : فَلا تُمارِ إلى هنا قبل تتميم نبئهم ، مبادرة إلى الاهتمام بهذه الآداب والاحتفاظ بها ، لتتمكن فضل تمكن ، وترسخ في النفس أشد رسوخ . واللّه أعلم . الرابع روي عن ابن عباس في قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ : إذا نسيت الاستثناء بالمشيئة ثم ذكرت فاستثن ، وذلك ( كما قال القرطبيّ ) لتدارك التبرك والتخلص عن الإثم .