محمد جمال الدين القاسمي
20
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وإشارة إلى أنه لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم بيّن وبرهان نيّر . وإنه إذا أوقفنا على الفيصل قلنا به ، وإلا وقفنا . وقد تأكد هذا بقوله سبحانه بعده ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فإن فيه ( دلالة على أنه يعلمهم البعض ممن لم يشأ الحق تعيينه ) . وهو إما نبيّ ، أو من كان في مدتهم ، أو من نقب عن نبئهم بإثارة صحيحة أو تلق عن المعصوم . وفيه إعلام بأنه لم يضرب على الناس بسدّ من جهالة شأنهم . وبالجملة ، فالنظم الكريم ، بأسلوبه هذا ، لا يدل على أن الأخير هو الحق كما علمت . وأما ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما من قوله : أنا من القليل الذي استثنى اللّه عز وجل . كانوا سبعة - فهو من الموقوف عليه . ولو رفع إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وصح سنده لقلنا به على أنه اختلف على ابن عباس في عدتهم . فروي عنه أنهم ثمانية ، حكاه ابن إسحاق عن مجاهد عنه . وروي عنه سبعة . وهو حكاية قتادة وعكرمة عنه . ثم رأيت الرازيّ نقل عن القاضي أنه قال : إن كان - ابن عباس - قد عرفه ببيان الرسول ، صح . وإن كان قد تعلق بحرف الواو فضعيف . انتهى . هذا ما ظهر لي الآن . وبعد كتابتي لما تقدم بمدة ، وقفت على نبئهم في ( طبقات الشهداء المسيحيين ) وأن عدتهم سبعة عندهم كما ستراه في آخر الآيات فيهم . فسنح لي أن ابن عباس إنما جزم بما جزم به ، مما قوي عنده من إشارة الآية ، كما ذكره أولئك الأكثرون ، ومن تواتر عدتهم من قومهم وممن أثر عنهم . ثم حققه وصدقه عدم النكير فيه . وكذلك جزم بمثله الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه اللّه ، حيث قال في ( قاعدة له في التفسير ) : اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام - مقام حكاية الأقوال وتعليم ما ينبغي في مثل هذا . فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث . فدل على صحته . إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما . ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته . فيقال في مثل هذا قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه اللّه عليه . فبهذا قال فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته ، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب . فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل . ويذكر فائدة الخلاف وثمرته ، لئلا يقع النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته ، فيشتغل به عن الأهم . فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها ، فهو ناقص . إذ قد يكون الصواب في الذي تركه . أو