محمد جمال الدين القاسمي
99
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره ، وخاطب في الأمر ترشيحا لاستعارة النداء . ثم قال : ماءَكِ بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز ، تشبيها لاتصال الماء بالأرض ، باتصال الملك بالمالك ، واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح . ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان . ثم أمر على سبيل الاستعارة ، وخاطب في الأمر قائلا : أَقْلِعِي لمثل ما تقدم في ابْلَعِي . ثم قال : وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لم يصرح بمن غاض الماء ، ولا بمن قضي الأمر ، وسوّى السفينة . وقال : بُعْداً كما لم يصرح بقائل : يا أرض ويا سماء في صدر الآية ، سلوكا في كل واحد من ذلك سبيل الكناية ، أن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلا من ذي قدرة لا يكتنه . قهّار لا يغالب . فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره - جلت عظمته - قائل يا أرض ويا سماء ، ولا غائض مثل ما غاض ، ولا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل ، وأن تكون تسوية السفينة وإقرارها ، بتسوية غيره وإقراره . ثم ختم الكلام بالتعريض ، تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ، ظلما لأنفسهم لا غير ، ختم إظهار ، لمكان السخط ، ولجهة استحقاقهم إياه ، وأن قيامة الطوفان ، وتلك الصورة الهائلة ، ما كانت إلا لظلمهم . وأما النظر فيها من حيث علم المعاني ، وهو النظر في فائدة كل كلمة منها ، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها ، فذلك أنه اختير ( يا ) دون سائر أخواتها ، لكونها أكثر في الاستعمال ، وأنها دالة على بعد المنادي الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة ، وإبداء شأن العزة والجبروت ، وهو تبعيد المنادي المؤذن بالتهاون به ، ولم يقل : يا أرض ! بالكسر لإمداد التهاون ، ولم يقل : يا أيتها الأرض ! لقصد الاختصار مع الاحتراز عما في ( أيتها ) من تكلف التنبيه غير المناسب بالمقام . واختير لفظ ( الأرض ) دون سائر أسمائها ، لكونه أخف وأدور . واختير لفظ السماء لمثل ما تقدم في الأرض ، مع قصد المطابقة . واختير لفظ ابْلَعِي على ( ابتلعي ) لكون أخصر ، ولمجيء خط التجانس بينه وبين أَقْلِعِي أوفر . وقيل : ماءَكِ من بالإفراد دون الجمع ، لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأبي عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت ، وهو الوجه في إفراد ( الأرض ) و ( السماء ) . وإنما لم يقل : ابْلَعِي بدون المفعول ، أن لا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهن ، نظرا إلى مقام ورود الأمر ، الذي هو مقام عظمة وكبرياء . ثم إذا بين المراد اختصر الكلام مع أَقْلِعِي احترازا عن الحشو المستغني عنه ، وهو - أي الاختصار . الوجه في أن لم يقل : قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ، ويا