محمد جمال الدين القاسمي
100
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
سماء أقلعي فأقلعت . واختير ( غيض ) على ( غيّض ) المشدد لكونه أخصر ، وقيل ( الماء ) ، دون أن يقال : ماء طوفان السماء وكذا الأمر دون أن يقال : أمر نوح ، وهو إنجاز ما كان اللّه وعد نوحا من إهلاك قومه ، لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك . ولم يقل : سويت على الجودي : بمعنى أقرّت على نحو : ( قيل ) و ( غيض ) و ( قضي ) في البناء للمفعول اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ مع قصد الاختصار في اللفظ . ثم قيل : بُعْداً لِلْقَوْمِ دون أن يقال : ليبعد القوم ، طلبا للتأكيد مع الاختصار ، وهو نزول بُعْداً وحده ، منزلة ليبعدوا بعدا ، مع فائدة أخرى : وهي استعمال اللام مع ( بعدا ) الدال على معنى أن البعد حق لهم ، ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع ، حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم ، لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل . هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم . وأما من حيث النظر إلى ترتيب الجمل : فذاك أنه قد قدم النداء على الأمر فقيل : يا أَرْضُ ابْلَعِي ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي دون أن يقال : ابلعي يا أرض ، وأقلعي يا سماء ، جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة . من تقديم التنبيه ، ليمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى ، قصدا بذلك لمعنى الترشيح . ثم قدم أمر الأرض على أمر السماء ، وابتدئ به لابتداء الطوفان منها ، وبنزولها لذلك في القصة منزلة الأصل ، والأصل بالتقديم أولى ، ثم أتبعها قوله : وَغِيضَ الْماءُ لاتصاله بقصة الماء ، وأخذه بحجزتها . ألا ترى أصل الكلام ( قيل يا أرض ابلعي ماءك ، فبلعت ماءها ، ويا سماء أقلعي عن إرسال الماء ، فأقلعت عن إرساله ، وغيض الماء النازل من السماء ، فغاض ) ثم أتبعه ما هو مقصود من القصة وهو قوله : وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة ، وإنجاء نوح ومن معه في السفينة ، ثم أتبعه حديث السفينة ، وهو قوله وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ثم ختمت القصة بما ختمت . هذا كله نظر في الآية من جانبي البلاغة . وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية ، فهي كما ترى نظم للمعاني لطيف ، وتأدية لها ملخصة مبينة ، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد ، بل إذا جربت نفسك عند استماعها ، وجدت ألفاظها تسابق معانيها ، ومعانيها تسابق ألفاظها فما من لفظة في تركيب الآية ونظمها تسبق إلى أذنك ، إلا ومعناها أسبق إلى قلبك . وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية : فألفاظها على ما نرى عربية ،