محمد جمال الدين القاسمي

8

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

المنافع الظاهرة ، وأبدع في كل كائن صنعه ، وأحسن كل شيء خلقه ، وميز الإنسان وعلمه البيان - يكون من رحمته وحكمته اصطفاء من يشاء لرسالته ، ليبلغ عنه شرائع عامة ، تحدد للناس سيرهم في تقويم نفوسهم ، وكبح شهواتهم ، وتعلمهم من الأعمال ما هو مناط سعادتهم وشقائهم في الآخرة ، كما أشار إلى ذلك بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 7 إلى 10 ] إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ( 7 ) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 8 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 9 ) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 10 ) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أي فلا يتوقعون الجزاء وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أي لا يتفكرون فيها أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ أي بسببه ، إلى مأواهم ، وهي الجنة ، وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها ، وانسياق النفس إليها ، لا سيما بملاحظة ما سبق من بيان مأوى الكفرة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي من تحت منازلهم أو بين أيديهم . دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ أي دعاؤهم هذا الكلام ، لأن اللَّهُمَّ نداء ، ومعناه : اللهم إنما نسبحك ، كقول القانت : اللهم إياك نعبد . يقال : دعا يدعو دعاء ودعوى ، كما يقال : شكا يشكو شكاية وشكوى ، ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة ، ونظيره آية وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ مريم : 48 ] : وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي ما يحيي به بعضهم بعضا ، أو تحية الملائكة إياهم ، كما في قوله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرعد : 58 ] ، أو تحية اللّه عز وجل لهم كما في قوله تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 36 ] . و « التحية » التكرمة بالحالة الجلية أصلها : أحياك اللّه حياة طيبة . و « السّلام » بمعنى السلامة من كل مكروه . وَآخِرُ دَعْواهُمْ أي وخاتمة دعائهم هو التسبيح أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي حمده تعالى : والمراد من الآية أن دعاء أهل الجنة وعبادتهم هو قولهم . سبحانك اللهم وبحمدك . وإيثار التعبير عن