محمد جمال الدين القاسمي

9

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

( وبحمدك ) بقوله : وَآخِرُ إلخ رعاية للفواصل ، واهتماما بالحمد وما معه من النعوت الجليلة تذكيرا بمسماها ، والآية تدل على سموّ هذا الذكر لأنه دعاء أهل الجنة وذكر الملائكة كما قالوا : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] ولذلك ندب قراءته بعد تكبيرة الإحرام . قال الرازي لما استسعد أهل الجنة بذكر « سبحانك اللهم وبحمدك » ، وعاينوا ما فيه من السلامة عن الآفات والمخافات ، علموا أن كل هذه الأحوال السنية ، والمقامات القدسية ، إنما تيسرت بإحسان الحق سبحانه وإفضاله وإنعامه ، فلا جرم اشتغلوا بالحمد والثناء . ولما بيّن تعالى وعيده الشديد ، أتبعه بما دل على أن من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيوية لأن حصوله في الدنيا كالمانع من بقاه التكليف فقال تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 11 ] وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 11 ) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ وهم الذين لا يرجون لقاءه تعالى لكفرهم الشَّرَّ أي الذي كانوا يستعجلون به ، فإنهم كانوا يقولون : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] ونحو ذلك اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ أي تعجيلا مثل استعجالهم الدعاء بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ أي لأميتوا وأهلكوا فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي في ضلالهم وشركهم يترددون . لطيفة : زعم الزمخشري أن معنى استعجالهم بالخير ، أي تعجيله لهم الخير وضع الأول موضع الثاني إشعارا بسرعة إجابته لهم ، وإسعافه بطلبتهم ، حتى كأنّ استعجالهم بالخير تعجيل لهم ، وعندي أنه صرف اللفظ الكريم عن ظاهره بلا داع . ولا بلاغة فيه أيضا ، وإن توبع فيه والحرص على موافقة عامل المصدر له ليكونا من باب واحد - غير ضروريّ في العربية ، والشواهد كثيرة . وجوز الرازيّ أن يكون يُعَجِّلُ أصله يستعجل . عدل عنه تنزيها للجناب الأقدس عن وصف طلب العجلة ، فوصف بتكوينها ، ووصف الناس بطلبها ، لأنه الأليق .