محمد جمال الدين القاسمي
520
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
إليها وسكناها وهي فلسطين ، وقوله تعالى : فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً أي فحاق به مكره . لأنه تعقبهم بجنوده بعد ما أذن لهم بالسفر من مصر إلى فلسطين ، ليرجعهم إلى عبوديته ، فدمره اللّه تعالى وجنوده بالإغراق وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد إغراقه لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ وهي أرض كنعان ، بلد أبيهم إسرائيل التي وعدوا بها . قال ابن كثير : في هذا بشارة للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم . بفتح مكة ، مع أن السورة مكية نزلت قبل الهجرة . وكذلك وقع فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها كما قال تعالى وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها [ الإسراء : 76 ] . ولهذا أورث اللّه رسوله مكة فدخلها عنوة ، على أشهر القولين ، وقهر أهلها ثم أطلقهم حلما وكرما . كما أورث اللّه القوم ، الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل ، مشارق الأرض ومغاربها وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم كما قال كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 59 ] وقال هاهنا وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ وقوله تعالى : فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي قيام الساعة جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً أي جمعا مختلطين أنتم وعدوّكم . ثم يحكم بينكم ويميز بين سعدائكم وأشقيائكم . ثم نزه سبحانه ساحة القرآن أن يكون مفترى . وبيّن اشتماله على ما يلائم الفطر ويطابق الواقع ، بقوله سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 105 إلى 106 ] وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 105 ) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ( 106 ) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ أي بالحقيقة أنزلناه كتابا من لدنّا فأين تذهبون ؟ كما قال تعالى لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ [ النساء : 166 ] ، وَبِالْحَقِّ نَزَلَ أي متلبسا بالحق الذي هو ثبات نظام العالم على أكمل الوجوه . وهو ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ومحاسن الأخلاق وكل ما خالف الباطل . كقوله تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [ فصلت : 42 ] ، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً وَقُرْآناً فَرَقْناهُ أي نزلناه مفرقا منجما . وقرئ بالتشديد . والقراءتان بمعنى لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ أي على مهل وتؤدة وتثبت ، فإنه أيسر للحفظ وأعون في الفهم وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا أي من لدنّا على حسب الأحوال والمصالح .