محمد جمال الدين القاسمي
513
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تنبيه : لا يخفى ما في اقتراح هذه الآيات من الجهل الكبير بسنة اللّه في خلقه ، وبحكمته وجلاله . وبيان ذلك - كما في كتاب ( لسان الصدق ) - أن ما اقترحه قريش فيها ( منه ) ما أرادوا به مصلحتهم دون مصلحة العباد مما يخالف حكمة اللّه تعالى المقتضية لإخلاء بعض البقاع من العيون النابعة والأنهار الجارية والجنان الناضرة دون بعض . وإرساء الجبال الشم في موضع دون آخر ، لمصالح يعلمها هو جلت عظمته . ولا يعلمها الخلق . فليس مقترحهم هذا من العجز في شيء . مع أن مثله لا تثبت به النبوة . فإننا نعلم أن أناسا قد استنبطوا العيون وغرسوا الجنان من النخيل والأعناب ونحتوا الجبال ولم يكونوا بذلك أنبياء ( ومنه ) ما يناقض إرادة اللّه سبحانه وهو قولهم : أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً فإن إنزال السماء قطعا مقتض لهلاك العالم بحذافيره . واللّه يريد إبقاءه إلى أجل معلوم ( ومنه ) ما هو مستحيل في نفسه غير ممكن وقوعه أصلا وهو قولهم : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا فإن الإتيان باللّه والملائكة حتى يشاهدهم المشركون أو غيرهم مما لا يمكن أن يكون . فلا يجوز طلبه ، وليس من أنواع المعجز ( ومنه ) ما لا يصلح للأنبياء ، ولو حصل لم يكن معجزا وهو قولهم : أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ فإن هذا غير صالح للأنبياء . وليس بمعجز ، لحصول مثله عند أشباه فرعون ( ومنه ) ما وعدوا بعدم إيمانهم به لو حصل ، وأردفوه بما لا يجوز وهو قولهم : أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ فيه - على ما ذكر في الرواية - من اللّه العظيم إلى فلان وفلان وفلان ، لقوم من قريش بأسمائهم . أما بعد . فإن محمدا رسولي فآمنوا به . والصعود في السماء لا مرية فيه ، لأنهم قالوا : وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ فلو كان ، لكان عبثا . وإنزال كتاب عليهم على المعنى المذكور يستلزم جعلهم أنبياء ، لأن ذلك وحي مثل التوراة والإنجيل . والوحي مختص بالأنبياء ، والكفار عنه معزولون . فلم يكن شيء مما اقترحوه في الآيات معجزا . وإنما هي أمور مستحيلة في نفسها ، أو لأمر آخر . اقترحوها تكبرا وتعنتا وجهلا . على أنهم بعد تلك الأقوال كلها قال قائل منهم : وأيم اللّه ! لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك . وقد قال تعالى : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا [ الأنعام : 111 ] ، فكان الأولى في جوابهم عما اقترحوه ، هو ما أجاب به صلى اللّه عليه وسلم من قوله تعالى : قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا أي تنزه ربي عن فعل ما اقترحتموه من المحال وما يناقض حكمته . وما أنا إلا بشر رسول . عليّ أن أبلغكم رسالات ربي