محمد جمال الدين القاسمي

514

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وأنصح لكم . وقد أتيتكم بما يدل على صدق رسالتي مما أوحاه إليّ . وذلك ما تحديتكم بالإتيان بسورة مثله في الهداية والإصلاح . كما أمرني ربي . ولا أقترح عليه ، سبحانه ، ما لا يجوز أن يكون . أو ما يكون فعله عبثا ، لخلوّه عن الفائدة . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 94 ] وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً ( 94 ) وَما مَنَعَ النَّاسَ أي الذين حكى تعنتهم أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا أي إلّا تعجبهم من بعثة إنسان رسولا . بمعنى إنكارهم أن يكون الرسول من جنس البشر . كما قال تعالى : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ يونس : 2 ] والآيات في ذلك كثيرة . ثم نبه تعالى على لطفه ورحمته بعباده ، أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم ليفقهوا عنه ويفهموا منه ، ويمكنهم مخاطبته ومكالمته . حتى لو كانت الأرض مستقرا لملائكته ، لكانت رسلهم منهم ، جريا على قضية الحكمة . فقال سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 95 ] قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً ( 95 ) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ أي على أقدامهم كما يمشي الإنس مُطْمَئِنِّينَ أي ساكنين في الأرض قارّين لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا أي من جنسهم ، ليعلمهم الخير ويهديهم المراشد . ولما كنتم أنتم بشرا ، بعثنا فيكم رسلا منكم . كما قال تعالى : كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 151 ] . تنبيه : في الآية إشارة إلى حاجة من يستقر في الأرض إلى الرسالة . وقد قضت رحمة الباري تعالى وعنايته بذلك ، فمنّ على الخلق بالرسل وأتم حاجتهم بخاتم أنبيائه فأنقذهم من الحيرة ، وخلصهم من التخبط ، وأخرجهم من الظلمات إلى النور .