محمد جمال الدين القاسمي
504
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [ الأعراف : 11 ] ، فصح أن الله عز وجل خلق الأرواح جملة ، وهي الأنفس . وكذلك أخبر عليه السلام « 1 » ( إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ) - وهي العاقلة ، الحساسة - وأخذ عز وجل عهدها وشهادتها - وهي مخلوقة مصورة عاقلة ، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم ، على جميعهم السلام . وقبل أن يدخلها في الأجساد . والأجساد يومئذ تراب وماء . ثم أقرّها تعالى حيث شاء . لأن اللّه تعالى ذكر ذلك بلفظة ( ثمّ ) التي توجب التعقيب والمهلة . ثم أقرها عز وجل حيث شاء . وهو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت . لا تزال يبعث منها الجملة ، بعد الجملة . فينفخها في الأجساد المتولدة من المنيّ ، المنحدر من أصلاب الرجال وأرحام النساء . كما قال تعالى أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى [ القيامة : 37 - 38 ] ، وقال عز وجل : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً [ المؤمنون : 12 - 14 ] ، الآية وكذلك أخبر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « 2 » ؛ أنه ( يجمع خلق ابن آدم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ) فيبلوهم الله عز وجل في الدنيا كما شاء . ثم يتوفاها فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ليلة أسري به عند سماء الدنيا : أرواح أهل السعادة عن يمين آدم عليه الصلاة والسلام ، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره عليه السلام . وذلك عند منقطع العناصر ، وتعجل أرواح الأنبياء عليهم السلام وأرواح الشهداء إلى الجنة . وقد ذكر محمد بن نصر المروزيّ عن إسحاق بن راهويه ، أنه ذكر هذا القول الذي قلنا بعينه ، وقال : على هذا أجمع أهل العلم . ثم قال ابن حزم : ولا تزال الأرواح هنالك ، حتى يتم عدد الأرواح كلها بنفخها في أجسادها ثم برجوعها إلى البرزخ المذكور . فتقوم الساعة ، ويعيد عز وجل الأرواح ثانية إلى الأجساد . وهي الحياة الثانية . ويحاسب الخلق : فريق في الجنة وفريق في السعير ، مخلدين أبدا . انتهى .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، 2 - باب الأرواح جنود مجندة ، حديث رقم 1576 ، عن عائشة . وأخرجه مسلم في : البرّ والصلة والآداب ، حديث رقم 159 ، عن أبي هريرة . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : بدء الخلق ، 6 - باب ذكر الملائكة ، حديث 1514 ، عن عبد الله بن مسعود .