محمد جمال الدين القاسمي

505

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فصل ومنهم شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ، عليه الرحمة ، قال في : ( تفسير سورة الإخلاص ) بعد أن ذكر نزاع المتكلمين المتفلسفة في الملائكة . هل هي متحيزة أم لا ؟ وكذلك نزاعهم في روح الإنسان التي تفارقه بالموت ، على قول الجمهور الذين يقولون : هي عين قائمة بنفسها ليست عرضا من أعراض البدن كالحياة وغيرها . ولا جزءا من أجزاء البدن كالهواء الخارج منه . فإن كثيرا من المتكلمين زعموا أنها عرض قائم بالبدن ، أو جزء من أجزاء البدن . لكن هذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والخلف . ولقول جماهير العقلاء من جميع الأمم . ومخالف للأدلة ، وهذا مما استطال به الفلاسفة على كثير من أهل الكلام . قال القاضي أبو بكر : أكثر المتكلمين على أن الروح عرض من الأعراض . وبهذا نقول : إذا لم يعن بالروح النفس ، فإنه قال : الروح الكائن في الجسد ضربان : أحدهما الحياة القائمة به والآخر النفس . والنفس ريح ينبثّ به ، والمراد بالنفس ، ما يخرج بنفس التنفس من أجزاء الهواء المتحلل من المسامّ . وهذا قول الإسفرائينيّ وغيره . وقال ابن فورك : هو ما يجري في تجاويف الأعضاء . وأبو المعالي خالف هؤلاء وأحسن في مخالفتهم فقال : إن الروح أجسام لطيفة مشابكة للأجسام المحسوسة . أجرى الله العادة بحياة الأجساد ما استمرت مشابكتها لها . فإذا فارقتها تعقب الموت الحياة في استمرار العادة . ومذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر سلف الأمة وأئمة السنة ، وأن الروح عين قائمة بنفسها . تفارق البدن وتنعم ، وتعذب . ليست هي البدن ، ولا جزءا من أجزاءه كالنفس المذكور . ثم الذين قالوا : إنها عين ، تنازعوا : هل هي جسم متحيز ؟ على قولين : كتنازعهم في الملائكة . فالمتكلمون منهم يقولون : جسم . والمتفلسفة يقولون : جوهر عقليّ ليس بجسم . وأصل تسميتهم المجردات والمفارقات ، هو مأخوذ من نفس الإنسان . فإنها لما كانت تفارق بدنه بالموت ، وتتجرد عنه ، سموها مفارقة مجردة . ثم أثبتوا ما أثبتوه من العقول والنفوس وسموها . مفارقات ومجردات . لمفارقتها المادة التي هي عندهم الجسم . وهذه المفارقات عندهم ما لا يكون جسما ولا قائما بجسم . لكن النفس متعلقة بالجسم تعلق التدبير . والعقل لا تعلق له بالأجسام أصلا . ولا ريب أن جماهير العقلاء على إثبات الفرق بين البدن والروح التي تفارق .