محمد جمال الدين القاسمي

500

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قولهم ( طريق ذو شواكل ) وهي الطرق التي تتشعب منه لتشاكلها . أي تشابهها في الشكل . فسميت عادة المرء بها ، لأنها تشاكل حاله . والدليل عليه قوله تعالى : فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا أي أسدّ مذهبا وطريقة ، من العاملين : عامل الخير بمقتضى سجية القلب الفاضلة ، وعامل الشر بمقتضى طبيعة النفس ، فيجازيهما بحسب أعمالهما . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 85 ] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ( 85 ) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قال القاشاني : أي الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي ليس من عالم الخلق حتى يمكن تعريفه للظاهريين البدنيين ، الذين يتجاوز إدراكهم الحس والمحسوس ، بالتشبيه ببعض ما شعروا به ، والتوصيف . بل من عالم الأمر ، أي الإبداع الذي هو عالم الذوات المجردة عن الهيولى ، والجواهر المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين ، فلا يمكنكم إدراكه أيها المحجوبون بالكون ، لقصور إدراككم وعلمكم عنه وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا هو علم المحسوسات . وذلك شيء نزر حقير بالنسبة إلى علم الله والراسخين في العلم - هذا ما قاله القاشانيّ - وحاصل الجواب عليه : أن الروح موجود محدث بأمره تعالى بلا مادة ، وتولد من أصل كأعضاء الجسد ، حتى يمكن تعريفه ببعض مبادئه ، بل هو من عالم الأمر لا من عالم الخلق . فيكون الاقتصار في الجواب على قوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي كما اقتصر موسى في جواب قول فرعون وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] ، على قوله رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الشعراء : 24 ] ، إعلاما بأن إدراكه بالكنه على ما هو عليه ، لا يعلمه إلا اللّه تعالى . وأنه شيء بمفارقته يموت الإنسان . وبملازمته له يبقى . كما أومأ إليه قوله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أي علما قليلا تستعيدونه من طرق الحواس . وهو هذا القدر الإجماليّ . قال الشهاب : والسؤال - على هذا - عن حقيقتها . والجواب إجماليّ بأنها من المبدعات من غير مادة . ولذا قيل : إنه من الأسلوب الحكيم . كما في قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ [ البقرة : 189 ] ، إشارة إلى أن حقيقتها لا تعلم ، وإنما يعلم منها هذا المقدار . فالمراد ب ( الأمر ) على هذا التفسير ( قول كن ) ولذا قالوا لمثله : عالم الأمر . انتهى .