محمد جمال الدين القاسمي

501

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال أبو السعود عليه الرحمة : وليس هذا من قبيل قوله سبحانه : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ، فإن ذلك عبارة عن سرعة التكوين . سواء كان الكائن من عالم الأمر أو من عالم الخلق . بل إنه من الإبداعيات الكائنة بمحض الأمر التكوينيّ من غير تحصل من مادة . وحكى ، عليه الرحمة ، قولا آخر وهو : أن الأمر بمعنى الشأن . قال : والإضافة للاختصاص العلميّ لا الإيجادي ، لاشتراك الكل فيه . وفيها من تشريف المضاف ما لا يخفى . كما في الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه . أي هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأسرار الخفية التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر . وعليه ، ف ( من ) بيانية أو تبعيضية . ويكون نهيا لهم عن السؤال عنها ، وتركا للبيان . وهذا رأي كثيرين . أمسكوا عن الخوض فيها ، وقالوا : إنها شيء استأثر الله بعلمه ولم يطلع أحدا من خلقه . فلا يجوز البحث عنها بأكثر من أنها شيء موجود ، بل غلا بعضهم وقال : إن الإفاضة في بحث الروح بدعة في الدين . إذا لم يبينه الله لرسوله بأكثر مما في الآية . فالاشتغال بالتفتيش عنه غلوّ فيما لم يرد به قرآن ولم يقم عليه برهان ، وما كان كذلك فهو عناد . وأجاب الخائضون في بحثها ، بأن الآية لا يدل معناها على ذكر دلالة قطعية ، ولا دلالة فيها على المنع من الخوض فيها ، ولا على أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يعلمها . وغاية الأمر أنه أمر بترك الجواب عنها تفصيلا . إما لأن الإمساك عن ذلك كان عند اليهود السائلين عنها ، من دلائل نبوّته صلى اللّه عليه وسلم ، أو لأن سؤالهم كان تعنتا . فإنها تطلق على معان : منها الراحة وبرد النسيم . وعلى جبريل والقرآن وعيسى عليه السلام والحياة والقلب والرحمة وغير ذلك . فأضمروا على أنه إذا أجاب بأحد هذه الأمور ، قالوا : لم نرده ، وإنما أردنا كذا . ثم الأقاويل فيها من الحكماء والعلماء الأقدمين مختلفة . ولا يتم الجواب في محل الخلاف . فأتى بالجواب مجملا على وجه يصدق على كلّ من ذلك مرموزا ، ليعلمه العلماء بالله . واقتضت المصلحة العامة منع الكلام فيه لغيرهم . لأن الأفهام لا تحتمله . خصوصا على طريقة الحكماء . إذ من غلب على طبعه الجمود لا يقبله ولا يصدق به في صفة الباري . فكيف يصدق به في حق الروح الإنسانيّ . بل قال بعض المدققين : إن في الآية والجواب ببيان حقيقتها ، وأنها من إبداعاته الكائنة بتكوينه ، من غير سبق مادة - وهو ما ذكرناه أولا - وفي الجواب بذلك ما فيه الكفاية لذوي البصائر والدراية . ومقنع لمن كان له في النزاع ، إذا فصل ، مطمع . وقد استحسن بعضهم هذا الجواب وقال مذيلا له : فيكون قوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي على أن