محمد جمال الدين القاسمي
489
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ويقولون هذا يفيد الوجوب دون الفرضية . أو هذا خبر واحد فلا يقيد به مطلق القرآن . ومعلوم أن القرآن مطلق في الوقت المشترك أعظم من هذا ، وليس معهم عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ما يوجب فعل كل واحدة من الأربع في الوقت الخاص إلا فعله المتواتر ، وقوله الذي هو من أخبار الآحاد . مع ما فيه من الإجمال ، كقوله « 1 » لمّا بين المواقيت الخمسة ( الوقت ما بين هذين ) و قوله « 2 » ( ما بين هذين وقت ) دلالته على وجوب الصلاة في هذا الوقت دون دلالة قوله : ( لا صلاة إلّا بأمّ الكتاب ) و قوله ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج ) وكذلك قوله « 3 » صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها . فصلوا الصلاة لوقتها . ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة ) . ولهذا احتج أحمد على وجوب فعلها في الوقت عند الرفاهية بقوله : صلى اللّه عليه وسلم ( فصلوا الصلاة لوقتها ) وهو الوقت الذي بيّنه لهم . والأمراء لم يكونوا يؤخرون صلاة النهار إلى الليل . ولا صلاة الليل إلى النهار . وإنّما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر والعصر إلى آخر النهار . ودل هذا على أن من فعل هذا لم يقاتل . لأنهم سألوه عن الأمراء ، أنقاتلهم ؟ قال : ( لا . ما صلوا ) وهذه كانت صلاتهم . ودل على أن هذه الصلاة لا تجوز بحال ، وتفويت يوم الخندق منسوخ . وأما الجمع بينهما في الوقت المشترك فهو ثابت السنة في مواضع متعددة . وبعضها مما أجمع عليه المسلمون ، والآثار المشهورة عن الصحابة تبيّن أن الوقت المشترك وقت في حال العذر . كقول عمر بن الخطاب ( الجمع بين الصلاتين ، من غير عذر ، من الكبائر ) فدل على أن الجمع بينهما للعذر جائز . وقال عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وأبو هريرة : ( فيمن طهرت في آخر النهار ) : إنها تصلي الظهر والعصر . ( وفيمن طهرت في آخر الليل ) : إنها تصلي المغرب والعشاء . وهو قول الثلاثة : مالك والشافعيّ وأحمد ، وأما التفويت فلا يجوز بحال ، فمن جوز التفويت في بعض الصور ، فقوله ضعيف ، وإن جوز الجمع . وأما من أوجب التفويت ومنع الجمع ، فقد جمع في قوله بين أصلين ضعيفين : بين إباحة ما حرمه اللّه ورسوله ، وتحريمه ما شرعه اللّه ورسوله . فإنه قد ثبت أن الجمع خير من التفويت . فهذا الأصل ينظم كثيرا من المواقيت . وتفويت العصر إلى حين الاصفرار ، وتفويت العشاء إلى النصف الثاني أيضا ، لا يجوز إلا لضرورة ، والجمع بين الصلاتين خير من الصلاة في هذا الوقت ، بل
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 178 عن أبي موسى . ( 2 ) أخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث 177 عن بريدة . ( 3 ) أخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث رقم 239 عن أبي ذرّ .