محمد جمال الدين القاسمي

488

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كالحائض إذا طهرت والمجنون يفيق . والنائم يستيقظ . والناسي يذكر . ودل تقديم العصر يوم عرفة على أنها تفعل في موضع مع الظهر عقيب الزوال . ودل هذا الحديث على أنها يدرك وقتها بإدراك ركعة منها قبل الغروب . مع أنه بيّن بقوله وفعله ؛ أن وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله . ما لم تصفر الشمس . فدل ذلك على أن هذا الوقت المختص بها ، وقت مع التمكن والرفاهية . ليس لأحد أن يؤخرها عنه ولا يقدمها عليه . وقد عرف من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس ؛ أنهم قالوا : ( في الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس ) : تصلي الظهر والعصر . وإذا طهرت قبل طلوع الفجر ، صلت المغرب والعشاء . ولم يعرف عن صحابيّ خلاف ذلك . وبذلك أخذ الجمهور كمالك والشافعي وأحمد . وهذا مما يدل على أنه كان الصحابة ترى أن الليل عند العذر مشترك بين المغرب والعشاء إلى الفجر . والنصف الثاني عند العذر مشترك بين الظهر والعصر من الزوال إلى الغروب . كما دل على ذلك السنة والقرآن - يعني الآية المذكورة وأمثالها مما سقناه قبل - والذين ينازعون الجمهور في الوقت المشترك ، ويقولون ليس لكل منهما إلا وقت يخصها ، يقولون : الفرض إنما ثبت بالقرآن . والقرآن أوجب مطلق الذكر في قوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [ الأعلى : 14 ] ، فلا موجب لخصوص التكبير عندهم . بل مطلق الذكر . وإن كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لم يصلّ قط إلا بتكبير . ولا أحد من خلفائه ولا أحد من أئمة المسلمين ولا آحادهم المعروفين يعرف أنه صلى إلا بتكبير . ومع هذا فيجوزونه بمطلق الذكر . لأن القرآن مطلق في الذكر . فيقال لهم : القرآن مطلق في آناء الليل وفي غسق الليل . ومطلق في الطرف الأول وفي الطرف الثاني ، فدل على جواز الصلاة في هذا وهذا لو قدّر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم داوم على التفريق فكيف إذا ثبت عنه أنه جمع بينهما في الوقت غير مرة ؟ وكذلك يقولون : قوله تعالى : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [ الحج : 77 ] ، مطلق . فهو الفرض . والطمأنينة إنما جاء بها خبر واحد . فيفيد الوجوب دون الفرضية . وكذلك يقولون في الفاتحة : إن القرآن مطلق في إيجاب قراءة ما تيسر منه ، مع أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين من بعده لم يصلّوا إلا بالفاتحة . ومع قوله : ( لا صلاة إلا بأم القرآن ) « 1 » . و ( إن كل صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداج . فهي خداج . فهي خداج ) « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأذان ، 95 - باب وجود القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها ، حديث رقم 460 ( عن عبادة بن الصامت ) . وأخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث رقم 34 و 35 و 36 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث 40 و 41 عن أبي هريرة .