محمد جمال الدين القاسمي

487

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يوسف ومحمد . فلم يكن للعصر وقت متفق عليه . ولكن الصواب المقطوع به ، الذي تواترت به السنن واتفق عليه الجماهير ؛ أن وقتها يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله . وليس مع القول الآخر نقل عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لا صحيح ولا ضعيف . ولكن الأمراء الذين كانوا يؤخرون الصلاة . لمّا اعتادوا تأخير الصلاة ، واشتهر ذلك ، صار يظن من يظن أنه السنة . وقد احتج له بالمثل المضروب المسلمين وأهل الكتاب . ولا حجة فيه لاتفاق أهل الحساب على أن وقت الظهر أطول من وقت العصر ، الذي أوّله إذا صار ظل كل شيء مثليه . وأما أوقات الحاجة والعذر فهي ثلاثة : من الزوال إلى الغروب . ومن الغروب إلى الفجر ومن الفجر إلى طلوع الشمس . فالأول وقت الظهر والعصر عند العذر . واتسع فيها وفيهما من وجهين : أحدهما تقديم العصر إلى وقت الظهر ، كما قدمها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يوم عرفة . وكما كان يقدمها في سفرة تبوك . إذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس . وتقديم العشاء إلى المغرب في المطر . فهذا جمع تقديم . والثاني جمع تأخير ، العصر فيها إلى الغروب . لقوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح « 1 » : من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر . ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر . مع قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( وقت العصر ما لم تصفرّ الشمس ) وأنه لم يؤخر الصلاة قط إلى الاصفرار . ويوم الخندق كان التأخير إلى بعد الغروب . وهو منسوخ في أشهر قولي العلماء بقوله تعالى : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [ البقرة : 238 ] ، وهذا مذهب مالك والشافعيّ ، وأحمد في أشهر الروايتين عنه وقيل : يخير حال القتال في التأخير والصلاة في الوقت بحسب الإمكان . وهو الرواية الأخرى عنه . وقيل : بل يؤخرها . وهو قول أبي حنيفة أيضا ففي الحديث الصحيح « 2 » عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق ، تلك الصلاة المنافق . يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان ، قام فنقر أربعا ، لا يذكر اللّه فيها إلا قليلا ) . فوصف صلاة المنافق بالتأخير إلى حين الغروب والنقر . فدل على المنع من هذا وهذا . فلما قال صلى اللّه عليه وسلم هذا وهذا ، علم أن الوقت وقتان . فمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك مطلقا . وليس له أن يؤخر إلى ذلك الوقت مع إمكان الصلاة قبله . بخلاف من لا يمكنه الصلاة قبل ذلك .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : مواقيت الصلاة ، 28 - باب من أدرك من ركعة ، حديث رقم 360 ( عن أبي هريرة ) . وأخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث رقم 161 و 162 و 163 و 164 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : المساجد ومواضع الصلاة ، حديث رقم 195 عن أنس .