محمد جمال الدين القاسمي
466
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
البتة فصح ضرورة أن الكافر يسبح ، إذ هو من جملة الأشياء التي تسبح بحمد اللّه تعالى . وإن تسبيحه ليس هو قوله ( سبحان اللّه وبحمده ) بلا شك . ولكن تنزيه اللّه تعالى بدلائل خلقه وتركيبه عن أن يكون الخالق مشبها لشيء مما خلق . وهذا يقيني لا شك فيه . فصح بما ذكرنا أن لفظة ( التسبيح ) هي من الأسماء المشتركة ، وهي التي تقع على نوعين فصاعدا . انتهى كلامه . ومحصله نفي أن يكون للجمادات تسبيح وتمييز بالمعنى الموجود في الإنسان . وهو حق لا شبهة فيه ولا يسوغ لأحد إنكاره . إلا أنه لا ينفي أن يكون له تسبيح وفيه تمييز يناسبه . فيرجع الخلاف لفظيا . وقد وافق العلم الحديث الآن - كما قاله بعض الفضلاء - على أن في الجماد أثرا من الحياة . وأن فيه جميع الصفات الجوهرية التي تميز الأحياء . وأن ما فيه في الجواهر الفردة ودقائق المادة ليست ميتة ، بل هي عناصر حية متحركة لها صورة من صور الحياة الدنيا المشاهدة في جميع أنواع المادة مثل الجذب والدفع . والتأثر بالمؤثرات الخارجية ، وتغير قوة التوازن ، وتجمع الدقائق على أشكال منتظمة ، طبقا لتراكيب محدودة . وإفراز مركبات كيماوية مختلفة . وبالجملة ؛ فما يقوله العلم الجديد عن مشابهة الأجسام غير الحية للأجسام الحية يطابق تصورات الأقدمين والشعراء في ذلك . انتهى . وقوله تعالى : إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً أي حيث لم يعاجلهم بالعقوبة . مع كفرهم وقصورهم في النظر . ولو تابوا لغفر لهم ما كان منهم . ثم مثل تعالى حالة المشركين مع التنزيل الكريم ، حينما يقرؤه عليهم الرسول ، صلوات اللّه عليه ، يدعوهم إلى العمل بما فيه من التوحيد ، ورفض الشرك وغير ذلك من ضلالهم ، بمن طمس على بصيرته وبصره وسمعه ، بقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 45 ] وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ أي على هؤلاء المشركين جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي لا يصدقون بالبعث ولا يقرّون بالثواب والعقاب ، جزاء على الأعمال حِجاباً مَسْتُوراً أي من الجهل وعمى القلب . فيحجب قلوبهم عن أن يفهموا ما تقرؤه عليهم فينتفعوا به ، عقوبة منّا لهم على كفرهم .