محمد جمال الدين القاسمي

45

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

و في الصحيحين « 1 » عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « قد كان في الأمم قبلكم محدّثون ، فإن كان في أمتي أحد ، فعمر منهم » . وكان عمر يقول : اقتربوا من أفواه المطيعين ، واسمعوا منهم ما يقولون ، فإنه يتجلى لهم أمور صادقة . والمحدّث الذي يأخذ عن قلبه أشياء ، ليس بمعصوم ، فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبيّ المعصوم صلى اللّه عليه وسلم ولهذا كان عمر رضي اللّه عنه يشاور الصحابة ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور ، وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم ، ويحتجون عليه بالكتاب والسنة ، ويقررهم على منازعته ، ولا يقول لهم : أنا محدّث ملهم مخاطب فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا تعارضوني . فأيّ من ادعى له أصحابه أنه وليّ اللّه ، وأنه مخاطب يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كل ما يقوله ولا يعارضوه ويسلموا له حاله من غيره اعتبار بالكتاب والسنة - فهو وهم مخطئون . ومثل هذا من أضل الناس . فعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أفضل منه ، وهو أمير المؤمنين ، وكان المسلمون ينازعونه ويعرضون ما يقول ، هو وهم ، على الكتاب والسنة . وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك ، إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم . ولذا قال الجنيد : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة . وقال أبو عثمان النيسابوريّ : من أمّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة ، لقوله تعالى : وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا [ النور : 54 ] وقال أبو عمرو بن نجيد : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل . فأولياء اللّه تعتبر بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ، ويعرفون بنور الإيمان والقرآن ، وبحقائق الإيمان الباطنة ، وشرائع الإسلام . فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان ، أو يأوي إلى الحمّامات والحشوش التي تحضرها الشياطين ، أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق . أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي يحبها الشيطان . أو يدعو غير اللّه فيستغيث بالمخلوقات ، ويتوجه إليها ، أو يسجد إلى ناحية شيخه ولا يخلص الدين لرب العالمين . أو يلابس الكلاب أو النيران ، أو يأوي إلى المزابل ، والمواضع النجسة ، أو يأوي إلى المقابر ، لا سيما إلى مقابر الكفار من

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : فضائل أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، 6 - باب مناقب عمر بن الخطاب ، أبي حفص القرشيّ العدويّ رضي اللّه عنه ، حديث رقم 1628 ، عن أبي هريرة . وأخرجه مسلم في : فضائل الصحابة ، حديث رقم 23 ، عن عائشة .