محمد جمال الدين القاسمي
436
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وقال العلامة سعدي في ( حواشي البيضاوي ) : والمعراج بروحه في اليقظة - وهو الذي أشار إليه ابن القيم - خارق أيضا للعادة . انتهى . وتعقب العلامة القنوي له : بأنه نوع مراقبة وانسلاخ ، والذي ذهب إليه الصوفية ساقط . لأنه فوقه بكثير . بل غيره كما تبين قبل . وبالجملة ، فالذي فهمه الأكثرون من قول عائشة ومعاوية وحذيفة والحسن ؛ أن ذلك رؤيا منام . وما ذكره ابن القيّم من أنه إسراء بالروح - فيحتمله اللفظ المأثور عنهم . ونظيره قول بعضهم : إن ذلك كان أمرا إعجازيا . والحقيقة أنه كشف روحانيّ . وقد قرروا في عدم استحالة كونه يقظة بالروح والجسم ؛ أن خالق العالم قادر على كل الممكنات . وحصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسده صلى اللّه عليه وسلم ممكن . فوجب كونه تعالى قادرا عليه . وغاية ما في الباب أنه خلاف العادة . والمعجزات كلها كذلك . وفي ( العقائد النسفية وحواشيها ) : الخرق والالتئام على السماوات جائز . لأن الأجسام كلها متماثلة في تركبها من الجواهر الفردة ، فيصح على كلّ ما يصح على الآخر . فالأجسام العنصرية قابلة للخرق والالتئام . وكذا الأجسام الفلكية . واللّه تعالى قادرا على الممكنات كلها . فيكون قادرا على الخرق في السماوات ، لأنه ممكن فيها . وفي الرازيّ براهين أخر . فانظرها . جاء في كتاب ( إظهار الحق ) أن بعض أهل الكتاب ماري في المعراج ، فبكّت بأن صعود الجسم العنصريّ إلى الأفلاك صرّحت به التوراة الموجودة لديهم في ( أخنوخ ) . وأنه نقل حيّا إلى السماء لئلا يرى الموت . كما في الفصل الخامس من سفر التكوين . وصرّحت في صعود ( إليا ) في الفصل الثاني من سفر الملوك . وفي إنجيل مرقس في الفصل السادس عشر التصريح برفع المسيح عليه السلام إلى السماء . انتهى . أقول : أخنوخ هو إدريس عليه السلام المنوّه به في قوله تعالى : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [ مريم : 57 ] ، وإيليا نبيّ أرسل إلى آحاب أحد ملوك اليهود الكفرة ، الذين شهروا عبادة بعل وغيره من الأصنام بالسامرة . وتسمى الآن : سبسطيّة : من قسم الأرض المقدسة زعموا أنه ظهرت على يد إيليا خوارق باهرة . وأنه قتل سدنة بعل وهدم مذبحه . إلى أن ارتفع في مركبة نارية وخيل نارية نحو السماء . جانب نهر الأردن في بطاح أريحا . شاهده خليفته اليشاع النبيّ بعده . كذا في تاريخ الكتاب المقدس ، و ( إيليا ) هو إلياس ، و ( اليشاع ) هو اليسع المذكوران في القرآن المجيد