محمد جمال الدين القاسمي
429
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بهيكل سليمان لأنه الذي بناه وشيده و الْأَقْصَى بمعنى الأبعد . سمي بذلك لبعده عن مكة ، وقوله تعالى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ أي جوانبه ببركات الدين والدنيا . لأن تلك الأرض المقدسة مقر الأنبياء ومهبط وحيهم ومنمى الزروع والثمار . فاكتنفته البركة الإلهية من نواحيه كلها . فبركته إذن مضاعفة ، لكونه في أرض مباركة ، ولكونه من أعظم مساجد اللّه تعالى . والمساجد بيوت اللّه . ولكونه متعبد الأنبياء ومقامهم ومهبط وحيه عليهم ، فبورك فيه ببركتهم ويمنهم أيضا . وقيل في خصائص ( الأقصا ) : إنه متعبد الأنبياء السابقين ، ومسرى خاتم النبيين ، ومعراجه إلى السماوات العلى والمشهد الأسمى . بيت نوّه اللّه به في الآيات المفصلة ، وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة . لأجله أمسك اللّه الشمس على يوشع أن تغرب ليتيسر فتحه على من وعدوا به ويقرب . وهو قبلة الصلاة في الملتين ، وفي صدر الإسلام بعد الهجرتين . وهو أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين . لا تشدّ الرحال « 1 » بعد المسجدين إلا إليه ، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه . انتهى . ومن فضائله ما رواه الإمام أحمد « 2 » والنسائي والحاكم صححه ، عن ابن عمرو قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه ثلاثا . فأعطاه اثنتين وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة . سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه . وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه . وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد - يعني ببيت المقدس - خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ونحن نرجو أن يكون اللّه أعطاه ذلك . وروي أن ابن عمر كان إذا دخله لا يشرب من مائه . تجريدا لقصد الصلاة . وقال الشيرازيّ في ( عرائس البيان ) كان بداية المعراج الذهاب إلى الأقصى . لأن هناك الآيات الكبرى من أنوار تجليه تعالى لأرواح الأنبياء وأشباحهم . وهناك
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة ، 6 - باب مسجد بيت المقدس ، حديث 379 ، عن أبي سعيد الخدري . وأخرجه مسلم في : الحج ، حديث رقم 415 . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2 / 176 والحديث 6644 . وأخرجه النسائي في : المساجد ، 6 - باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه .