محمد جمال الدين القاسمي

430

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بقربه طور سينا وطور زيتا ومقام إبراهيم وموسى وعيسى في تلك الجبال ، مواضع كشوف الحق . لذلك قال بارَكْنا حَوْلَهُ . انتهى . والالتفات في : بارَكْنا لتعظيم ما ذكر ، لأن فعل العظيم يكون عظيما . لا سيما إذا عبّر عنه بصيغة التعظيم . والنكتة العامة تنشيط السامعين . وقوله تعالى : لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إشارة إلى حكمة الإسراء . أي لكي نري محمدا صلى اللّه عليه وسلم من آياتنا العظيمة التي من جملتها ذهابه في برهة من الليل ، مسيرة شهر ، ومشاهدة بيت المقدس وتمثل الأنبياء له ووقوفه على مقاماتهم العلية . قيل : أراد تعالى أن يريه صلى اللّه عليه وسلم من الآيات الحسية بعد ما أراه الآيات العقلية . لأن الآيات الحسية أكبر في قطع الشبهة ودفع الوساوس من العقلية . إذ لا يشك أحد فيما كان سبيل معرفته الحس والعيان . وقد تعترض الشبهة والوساوس في العقليات . لأنه لا يشك أحد في نفسه أنه هو . فشاء عزّ وجلّ أن يري رسوله آيات حسية فتدفع المنصفين إلى قبولها والإيمان بها والإقرار له بالرسالة . إذ ليس ذلك عمل سحر ولا افتراء ولا أساطير الأولين ، كذا يستفاد من ( التأويلات ) لأبي منصور . وما أحسن ما قاله ابن إسحاق : كان في مسراه صلى اللّه عليه وسلم وما ذكر منه بلاء وتمحيص وأمر من أمر اللّه في قدرته وسلطانه . فيه عبرة لأولي الألباب ، وهدى ورحمة وثباتا لمن آمن باللّه وصدق . وكان من أمر اللّه سبحانه وتعالى على يقين . فأسرى به سبحانه وتعالى كيف شاء ليريه من آياته ما أراد . حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم ، وقدرته التي يصنع بها ما يريد . انتهى . وقوله تعالى : إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أي السميع لأقوال عباده وأفعالهم فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . تنبيهات : الأول : دلت هذه الآية على ثبوت الإسراء ، وهو سير النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى بيت المقدس ليلا . وأما العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش فهذه الآية لا تدل عليه ومنهم من يستدل عليه بأول سورة النجم . والكلام عليه ثمة . الثانية : ذهب الأكثرون إلى أن الإسراء كان بعد المبعث ، وأنه قبل هجرة بسنة . قاله الزهري وابن سعد وغيرهما . وبه جزم النوويّ ، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه . وقال : كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة .