محمد جمال الدين القاسمي
428
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
عرّفا كانا معيارا للتعميم ، فلا تقول أرقت الليل ، وأنت تريد ساعة منه ، إلا أن تقصد المبالغة . بخلاف المنكر فإنه لا يفيد ذلك . فلما عدل عن تعريفه هنا ، علم أنه لم يقصد استغراق السرى ، وهذا هو المراد من البعضية . وجوز بعضهم أن يكون ( أسرى ) من ( السراة ) وهي الأرض الواسعة . وأصله من الواو . أسرى مثل أجبل وأتهم ، أي ذهب به في سراة من الأرض ، وهو غريب . وفي تخصيص الليل إعلام بفضله لأنه وقت السر والنجوى والتجلي الأسمى ، ولذلك كان أكثر عبادته صلى اللّه عليه وسلم بالليل . والمراد ( بعبده ) خاتم أنبيائه محمد صلى اللّه عليه وسلم . وفي ذكره بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضمير الجلالة من التشريف والتنويه والتنبيه على اختصاصه به عزّ وجلّ وانقياده لأوامره - ما لا يخفى . والعبد ، لغة ، الإنسان مطلقا والمملوك والعبودية الذل والخضوع والرق والطاعة ، كالعبادة والعبودة . قال ابن القيّم في ( طريق الهجرتين ) : أكمل الخلق أكملهم عبودية . وأعظمهم شهودا . لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه ، وعدم استغنائه عنه طرفة عين . ولهذا كان من دعائه صلى اللّه عليه وسلم : أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك . ثم قال : ولهذا كان أقرب الخلق إلى اللّه وسيلة ، وأعظمهم عنده جاها ، وأرفعهم عنده منزلة لتكميله مقام العبودية والفقر . وكان يقول : أيها الناس ! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي . إنّما أنا عبد . وكان يقول « 1 » : لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم . إنما أنا عبد فقولوا : عبد اللّه ورسوله . وذكره سبحانه بسمة العبودية في أشرف مقاماته : مقام الإسراء ، ومقام الدعوة ، ومقام التحدي . فقال : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وقال : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [ الجن : 19 ] . وقال وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [ البقرة : 23 ] . وفي حديث الشفاعة : أنّ المسيح يقول لهم : اذهبوا إلى محمد ، عبد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . فنال ذلك بكمال عبوديته للّه ، وبكمال مغفرة اللّه له . انتهى . وقوله تعالى مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني مسجد مكة المكرمة . سمي حراما ، كبلده ، لكونه لا يحل انتهاكه بقتال فيه ، ولا بصيد صيده ، ولا بقطع شجره ولا كلئه . وقوله سبحانه إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى هو مسجد بيت المقدس ، وكان يعرف
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، 48 - باب وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ ، حديث رقم 1214 .