محمد جمال الدين القاسمي
376
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 45 ] أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 45 ) أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أي المكرات السيئات التي قصّت عنهم . فهي صفة لمصدر محذوف أو مفعول ل ( مكروا ) بتضمينه معنى ( عملوا ) أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أي من جهة لا يعلمون بها ، كما لا يشعر الممكور بقصد الماكر . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 46 إلى 48 ] أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 46 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 47 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ( 48 ) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ أي سعيهم في المعايش واشتغالهم بها فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أي لا يعجزون ربهم على أي حال كانوا أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ أي توقع للهلاك ومخافة له ، فإنه يكون أبلغ وأشد . أو ننقّص في أبدانهم وأموالهم وثمارهم حتى يهلكوا . يقال : تخوفه : تنقصه وأخذ من أطرافه فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي حيث يحلم عنكم ولا يعاجلكم بالعقوبة . ثم أخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه بانقياد سائر مخلوقاته ، جمادات وحيوانات ومكلفين من الجن والإنس والملائكة له سبحانه ، بقوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أي جسم قائم له ظلّ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ أي يرجع شيئا فشيئا عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ أي عن جانبي كل واحد منها ، بكرة وعشيّا سُجَّداً لِلَّهِ أي منقادة له على حسب مشيئته في الامتداد والتقلص وغيرهما ، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له وَهُمْ داخِرُونَ أي صاغرون . وغلب في جمعها من يعقل ، فأتى بالواو . أو لأن الدخور من أوصاف العقلاء . فهو إما تغليب أو استعارة : وكذا ضمير ( هم ) أيضا لأنه مخصوص بالعقلاء . فيجوز أن يعتبر ما ذكر فيه ، ويجعل ما بعده جاريا على المشاكلة . لطيفة : لابن الصائغ في سر توحيد اليمين وجمع الشمائل توجيه لطيف . وملخصه أنه نظر إلى الغاية فيهما . لأن ظل الغداة يضمحلّ بحيث لا يبقى منه إلا اليسير . فكأنه