محمد جمال الدين القاسمي

371

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ذلك المال فظنوه لقطة ليس له أحد فأخذوه وذهبوا - لكن يحسن منه أن يعاقب الأولين لتفريطهم وتضييعهم حفظ ما أمرهم به ، ولو قالوا له : أنت لم تعلمنا أنك تبعث بعدنا جندا حتى يحترز المال منهم ، قال : هذا لا يجب عليّ ، ولو فعلته لكن زيادة إعانة لكم . لكن كان عليكم أن تحفظوا ذلك كما تحفظون الودائع والأمانات . وكانت حجته عليهم قائمة ولم يكن يدعى فيهم ظالما . وإن كان لم يعنهم بالإعلام بذلك الجند . لكن عمل المصلحة في إرسال الأولين والآخرين . واللّه سبحانه وتعالى ، وله المثل الأعلى ، حكم عدل في كل ما جعله . ولا يخرج شيء عن مشيئته وقدرته . فإذا أمر الناس بحفظ الحدود وإقامة الفرائض لمصلحتهم . ، كان ذلك من إحسانه إليهم وتعريفهم ما ينفعهم . وإذا خلق أمورا أخرى ، فإذا فرّطوا واعتدوا بسبب خلقه الأمور الأخرى ، كان عادلا حكما في خلق هذا وخلق هذا ، والأمر بهذا والأمر بهذا . وإن كان لم يمدّ الأولين بزيادة يحترسون بها من التفريط والعدوان ، . لا سيما مع علمه بأن تلك الزيادة ، لو خلقها للزم منها تفويت مصلحة أرجح ، فإن الضدين لا يجتمعان . والمقصود هنا أنه لا يحتج أحد بالقدر إلا حجة تعليل ، لدعم اتباع الحق الذي بينه العلم . فإن الإنسان حيّ حساس متحرك بالإرادة . ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ( أصدق الأسماء الحارث وهمّام ) فالحارث الكاسب العامل . والهمّام المتحرك الهمّ . والهمّ مبدأ الإرادة والقصد . فكل إنسان حارث همام . وهو المتحرك بالإرادة . وذلك لا يكون إلا بعد الحس والشعور . فإن الإرادة مسبوقة بالشعور بالمراد . فلا يتصور إرادة ولا حب ولا شوق ولا اختيار ولا طلب إلا بعد الشعور وما هو من جنسه . كالحس والعلم والسمع والبصر والشم والذوق واللمس ونحو هذه الأمور . فهذا الإدراك والشعور هو مقدمة الإرادة والحب والطلب . والحيّ مفطور على حب ما ينفعه ويلائمه ، وبغض ما يكرهه ويضره . فإذا تصوّر الشيء الملائم النافع ، أراده وأحبه . وإن تصور الشيء الضار أبغضه ونفر عنه . لكن ذلك التصوّر قد يكون علما وقد يكون ظنا وخرصا . فإذا كان عالما بأن مراده هو النافع ، وهو المصلحة وهو الذي يلائمه ، كان على الهدى والحق . وإذا لم يكن معه علم بذلك ، كان متبعا للظن وما تهوى نفسه . فإذا جاءه العلم والبيان بأن هذا ليس مصلحة ، أخذ يحتج بالقدر ، حجة لدد وتفريج ، لا حجة اعتماد على الحق والعلم . فلا يحتج أحد في باطنه أو ظاهره بالقدر ، إلا لعدم العلم بما هو عليه الحق . وإذا كان كذلك كان من احتج بالقدر على الرسل مقرّا بأن ما هو عليه ليس معه به علم . وإنما تكلم بغير علم . ومن تكلم بغير علم كان مبطلا في كلامه . ومن احتج بغير علم كانت حجته داحضة . فإما أن يكون جاهلا ،