محمد جمال الدين القاسمي
372
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فعليه أن يتبع العلم . وإما أن يكون قد عرف الحق واتبع هواه ، فعليه أن يتبع الحق ويدع هواه . فتبيّن أن المحتج بالقدر متبع لهواه بغير علم : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [ القصص : 50 ] انتهى . وله تتمة سابغة الذيل لا بأس بالوقوف عليها . وقال القاشاني في هذه الآية : إنّما قالوا ذلك عنادا وتعنّتا عن فرط بالجهل وإلزاما للموحدين بناء على مذهبهم . إذ لو قالوا ذلك عن علم ويقين لكانوا موحدين لا مشركين بنسبة الإرادة والتأثير إلى الغير لأن من علم أنه لا يمكن وقوع شيء بغير مشيئة من اللّه ، علم أنه لو شاء كل من في العالم شيئا ، لم يشأ اللّه ذلك ، لم يمكن وقوعه . فاعترف بنفي القدرة والإرادة عما عدا اللّه تعالى ، فلم يبق مشركا ، قال اللّه تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا [ الأنعام : 107 ] ، وقوله تعالى : كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ النحل : 35 ] ، أي في تكذيب الرسل بالعناد انتهى . وقال الإمام مفتي مصر في تفسير سورة العصر ، من هذا البحث ما مثاله : فالعقل والشرع والحس والوجدان متضافرة على أن فعل العبد فعله . وكون جميع الأشياء راجعة إلى اللّه تعالى ووجود الممكنات ، إنما هو نسبتها إليه . ولا يتصور اعتبارها موجودة إلا إذا اعتبرت مستندة إليه . مما قام عليه الدليل بل كاد يصل إلى البداهة كذلك . ومثل هذا يقال في عظم قدرة اللّه تعالى . وأنه إن شاء سلبنا من القدرة والاختيار ما وهبنا . فهو أمر نشاهده كل يوم . ندبّر شيئا ، ثم يأتي من الموانع من تحقيقه ما لم يكن في الحسبان . ونتناول عملا ثم تنقطع قدرتنا عن تتميمه . كل ذلك لا نزاع فيه . شمول علم اللّه لما كان ولما يكون قام عليه الدليل . ولا شبهة فيه عند الملّيّين فوجب على المسلم أن يعتقد بأن اللّه خالق كل شيء على النحو الذي يعلمه ، وأن يقرّر بنسبة عمله إليه كما هو بديهي عنده . ويعلم بما أمره به ويجتنب ما نهاه عنه باستعمال ذلك الاختيار الذي يجده من نفسه . وليس عليه بعد ذلك أن يرفع بصره إلى ما وراءه . فقد نعى اللّه على المشركين قولهم : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 148 ] ، ووردت الأحاديث متواترة المعنى في النهي عن الخوض في القدر وسره . فلو صبر العبد حق الصّبر ، لوقف عندما حد اللّه له ، ولم ينزع بنفسه إلى تعدي حدود اللّه التي ضربها لعباده . ولست أحب التكلم في هذه المسألة بأكثر من هذا . وإلا خرجت من الصابرين ، وخضت في القدر مع الخائضين . ومن ثار به الهوس فتوهم أن علينا أن نعتقد أن العبد لا فعل له ، فقد خالف كتاب اللّه وعصى رسول اللّه . وقد أقول ( واعتمادي على اللّه فيما أقول ) إن