محمد جمال الدين القاسمي
360
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فِيها فِجاجاً سُبُلًا [ الأنبياء : 31 ] ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي بها إلى مآربكم وَعَلاماتٍ أي دلائل يستدل بها المسافرون من جبل ومنهل وريح ، برّا وبحرا ، إذا ضلوا الطريق وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أي في الظلام برّا وبحرا . والعدول عن سنن الخطاب إلى الغيبة للالتفات . وتقديم ( بالنجم ) للفاصلة . وتقديم الضمير للتّقوّي . وهذا أولى من دعوى الزمخشري ؛ أن التقديم للتخصيص بقوم هم قريش لكونهم أصحاب رحلة وسفر . وذلك لأن الخطاب في الآيات السابقة عامّا فكذا يكون في لاحقها . تنبيه : قال في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل لمراعاة النجوم لمعرفة الأوقات والقبلة والطرق . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 17 إلى 18 ] أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 17 ) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 ) أَ فَمَنْ يَخْلُقُ أي كل شيء ، لا سيما تلك المصنوعات العظيمة المذكورة ، وهو اللّه الواحد الأحد كَمَنْ لا يَخْلُقُ أي شيئا ما ، وهو ما يعبدون من دونه ، وهذا تبكيت للمشركين وإبطال لإشراكهم بإنكار أن يساويه ويستحق مشاركته ، ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك ، بل على إيجاد شيء ما . وزعم الزمخشريّ ومتابعوه ؛ أن قضية الإلزام أن يقال : ( أفمن لا يخلق كمن يخلق ) ثم تكلموا في سره . وقد تقدم الكلام في ذلك عند قوله تعالى : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [ آل عمران : 36 ] ، فجدد به عهدا . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ أي فتعرفوا فساد ذلك . فإنه لوضوحه لا يفتقر إلى شيء سوى التذكر . ثم نبه ، سبحانه وتعالى . على كثرة نعمه عليهم وإحسانه بما لا يحصى ، إشارة إلى أن حق عبادته غير مقدور ، بقوله تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أي لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم ، فضلا أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي حيث يتجاوز عن التقصير في أداء شكرها ، ولا يقطعها عنكم لتفريطكم . ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها . قاله الزمخشريّ . ولحظ ابن جرير ؛ أن مغفرته تعالى ورحمته لهم ، إذا تابوا وأنابوا . أي فيتجاوز عن تقصيرهم بشكرها الحقيقيّ . ولا يعذبهم بعد توبتهم وإنابتهم إلى طاعته .