محمد جمال الدين القاسمي

361

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لطيفة : قال أبو السعود : كان الظاهر إيراد هذه الآية ، عقيب ما تقدم من النعم المعددة ، تكملة لها على طريقة قوله تعالى : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [ النحل : 8 ] ، ولعلّ فصل ما بينهما بقوله : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] ، للمبادرة إلى إلزام الحجة ، وإلقاء الحجر ، إثر تفصيل ما فصل من الأفاعيل ، التي هي أدلة الوحدانية . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 19 إلى 21 ] وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 19 ) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 20 ) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 21 ) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ أي من أعمالكم وسيجزيكم عليه وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي فإنّى تستحق الألوهية ، وقد نفي عنها أخص صفاتها ؟ فإنها ذوات مفتقرة إلى الإيجاد . أو المعنى : أن الناس يخلقونها بالنحت والتصوير . وهم لا يقدرون على نحو ذلك . فهم أعجز من عبدتهم . كما قال الخليل عليه السلام : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 95 - 96 ] ، ثم أكد ذلك بأن أثبت لهم ما ينافي الألوهية بقوله : أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ أي هي جمادات لا أرواح فيها ، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل . وقوله : غَيْرُ أَحْياءٍ تأكيد أو تأسيس . لأن بعض الأموات مما يعتريه الحياة ، سابقا أو لاحقا . كأجساد الحيوان ، والنطف التي ينشئها اللّه تعالى حيوانا . فذا احترز عنه بقوله : غَيْرُ أَحْياءٍ أي لا يعتريها الحياة أصلا . فهي أموات على الإطلاق ، حالا ومآلا وَما يَشْعُرُونَ أي تلك الأصنام المعبودة أَيَّانَ يُبْعَثُونَ أي متى يكون بعثها . وقد روي ، أنها تبعث ، ويجعل فيها حياة ، فتبرأ من عابديها . ثم يؤمر بها وبهم جميعا إلى النار . وجوز عود الضمير إلى عابديها . أي : وما تشعر الأصنام متى يبعث عبدتهم تهكما بحالها . لأن شعور الجماد محال . فكيف بشعور ما لا يعلمه إلا اللّه ؟ وفيه إشعار بأن معرفته وقت البعث من لوازم الألوهية ، وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 22 إلى 23 ] إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 22 ) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ( 23 ) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ تصريح بالمدعى ، وتمحيض للنتيجة ، غب إقامة الدليل .