محمد جمال الدين القاسمي

346

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 94 إلى 96 ] فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 96 ) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ أمر من ( الصدع ) بمعنى الإظهار والجهر ، من ( انصداع الفجر ) . أو من ( صدع الزجاجة ) ونحوها وهو تفريق أجزائها . أي : أفرق بين الحق والباطل وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي الذين يرومون صدك عن التبليغ ، فلا تبال بهم إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ أي حفظناك من شرّهم ، فلا ينالك منهم ما يحذر . وهذا ضمان منه تعالى ، له صلوات اللّه عليه ، لينهض بالصدع نهضة من لا يهاب ولا يخشى . كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] . الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وصفهم بذلك ، تسلية له عليه الصلاة والسلام . وتهوينا للخطب عليه ، بأنهم أصحاب تلك الجريمة العظمى ، التي هي أكبر الكبائر ، التي سيخذلون بسببها . كما قال : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي عاقبة أمرهم . وقد جوّز في الموصول أن يكون صفة ( للمستهزئين ) ومنصوبا بإضمار فعل . ومرفوعا بتقدير ( هم ) . وفي الآية وعيد شديد لمن جعل معه تعالى معبودا آخر . وقد أشار كثير من المفسرين إلى أن قوله تعالى : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ عنى به ما عجله من إهلاكهم . كما روى ابن إسحاق عن عروة : أن عظماء المستهزئين كانوا خمسة نفر . وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم : من بني أسد أبو زمعة ، كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه . فقال : اللهم ! أعم بصره وأثكله ولده . ومن بني زهرة الأسود . ومن بني مخزوم الوليد بن المغيرة . ومن بني سهم العاص بن وائل . ومن خزاعة الحارث . فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الاستهزاء ، أنزل اللّه تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ إلى قوله : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، قال ابن إسحاق عن عروة ، إن جبريل أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يطوف بالبيت . فقام وقام رسول اللّه إلى جنبه . فمر به الأسود فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه . ومر به الوليد فأشار إلى أثر جراح بأسفل كعب رجله . كان أصابه قبل ذلك بسنتين . فانتقض به فقتله . ومرّ به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص قدمه ، فخرج على حمار يريد الطائف . فربض على شبرقة فدخلت في أخمص قدمه ومرّ به الحارث فأشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله . انتهى .