محمد جمال الدين القاسمي
341
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
سكران : سكر هوى وسكر مدامة * ومتى إفاقة من به سكران ؟ الثاني - قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قال السيوطيّ في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في الفراسة . أخرج الترمذيّ من حديث أبي سعيد مرفوعا : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » « 1 » . ثم قرأ هذه الآية . وقد كان بعض قضاة المالكية يحكم بالفراسة في الأحكام ، جريا على طريق إياس بن معاوية . انتهى . وقد أجاد الكلام في الفراسة ، الراغب الأصفهانيّ في كتاب ( الذريعة ) حيث قال في الباب السابع : وأما الفراسة ، فالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله ، على أخلاقه وفضائله ورذائله . وربما يقال : هي صناعة صيادة لمعرفة أخلاق الإنسان وأحواله . وقد نبه اللّه تعالى على صدقها بقول : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [ الحجر : 75 ] ، وقوله : تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ [ البقرة : 273 ] ، وقوله : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمد : 30 ] ، ولفظها من قولهم ( فرس السبع الشاة ) فكأن الفراسة اختلاس المعارف . وذلك ضربان : ضرب يحصل للإنسان عن خاطر لا يعرف سببه ، وذلك ضرب من الإلهام ، بل ضرب من الوحي . وإياه عنى النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله « 2 » : « المؤمن ينظر بنور اللّه » وهو الذي يسمى صاحبه المروّع والمحدّث . وقال عليه الصلاة والسلام ( إن يكن في هذه الأمة محدّث ، فهو عمر ) « 3 » . وقيل في قوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الشورى : 51 ] الآية : إنما كان وحيا بإلقائه في الروع ، وذلك للأنبياء كما قال عز وجلّ : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 - 194 ] ، وقد يكون بإلهام في حال اليقظة وقد يكون في حال المنام . ولأجل ذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) « 4 » . والضرب الثاني من الفراسة يكون بضاعة متعلمة وهي معرفة ما بين الألوان والأشكال ، وما بين الأمزجة والأخلاق والأفعال الطبيعية . ومن عرف ذلك كان ذا فهم
--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : التفسير ، 15 - سورة الحجر ، 6 - باب حدثنا محمد بن إسماعيل . ( 2 ) أخرجه الترمذيّ في : التفسير ، 15 - سورة الحجر ، 6 - باب حدثنا محمد بن إسماعيل ، عن أبي سعيد الخدريّ ، من حديث . ( 3 ) أخرجه البخاريّ في : فضائل أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، 6 - باب مناقب عمر بن الخطاب ، أبي حفص القرشيّ ، العدويّ ، رضي الله عنه ، الحديث رقم 1628 عن أبي هريرة . ( 4 ) أخرجه البخاريّ في : التعبير ، 2 - باب رؤيا الصالحين ، الحديث رقم 2536 ، عن أنس بن مالك .