محمد جمال الدين القاسمي
342
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ثاقب بالفراسة . وقد عمل في ذلك كتب . من تتبع الصحيح منها ، اطلع على صدق ما ضمنوه . والفراسة ضرب من الظن . وسئل بعض محصلة الصوفية عن الفرق بينهما فقال : الظن بتقلب القلب . والفراسة بنور الرب . ومن قوي فيه نور الروح المذكور في قوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * [ الحجر : 29 ] و [ ص : 72 ] ، كان ممن وصفه بقوله : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [ هود : 17 ] ، وكان ذلك النور شاهدا ، أصاب فيما حكم به . ومن الفراسة قوله عليه الصلاة والسلام في المتلاعنين : ( إن أمرهما بيّن ، لولا حكم اللّه ) « 1 » . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 78 إلى 81 ] وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ ( 78 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ( 79 ) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ( 80 ) وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 81 ) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ ( إن ) مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن محذوف . أي : وإن الشأن كان أصحاب الأيكة . وهم قوم شعيب عليه السلام . كانوا يسكنون أيكة ، وهي بقعة كثيرة الأشجار ، فظلموا بأنواع من الظلم ، من شركهم باللّه وقطعهم الطريق ونقصهم المكيال والميزان . فبعث اللّه إليهم شعيبا عليه السلام فكذبوه . فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي بعذاب الظلة ، وهي سحابة أظلتهم بنار تقاذفت منها ، فأحرقتهم وَإِنَّهُما يعني قرى قوم لوط والأيكة لَبِإِمامٍ مُبِينٍ أي طريق واضح . وقد كانوا قريبا من قوم لوط ، بعدهم في الزمان ومسامتين لهم في المكان . ولهذا لما أنذرهم شعيب قال : وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [ هود : 89 ] . وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ يعني ثمود ، كذبوا صالحا عليه السلام . ومن كذب واحدا من الأنبياء عليهم السلام ، فقد كذب الجميع . لاتفاقهم على التوحيد والأصول التي لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار . و ( الحجر ) واد بين المدينة والشام كانوا يسكنونه . معروف . يجتازه ركب الحج الشاميّ . وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يعني بالآيات ما دلهم على صدق دعوى نبيّهم . كالناقة التي أخرجها اللّه لهم بدعاء صالح من صخرة صماء . وكانت تسرح
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الطلاق ، 31 - باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : لو كنت راجما بغير بينة ، حديث رقم 2163 . عن ابن عباس .