محمد جمال الدين القاسمي

305

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وفي إدخال همزة الإنكار على الظرف إيذان بأن مدار الإنكار ليس نفس الشك بل وقوعه فيما لا يكاد يتوهم فيه الشك أصلا ، وفي العدول عن تطبيق الجواب على كلام الكفرة بأن يقولوا : ( أأنتم في شكّ مريب من اللّه ) مبالغة في تنزيه ساحة جلاله عن شائبة الشك وتسجيل عليهم بسخافة العقول . وقوله تعالى : يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي : يدعوكم إلى الإيمان بإرساله إيانا ، لا أنّا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهمه قولكم : ( مما تدعوننا إليه ) . ولام ( ليغفر ) متعلقة ب ( يدعو ) أي : لأجل المغفرة لا لفائدته ، تعالى وتقدّس ، أو للتعدية أي : يدعوكم إلى المغفرة : كقولك : دعوتك لزيد . و ( من ) إمّا تبعيضيّة أي : بعض ذنوبكم وهو ما بينهم وبين اللّه تعالى دون المظالم ، أو صلة ، على مذهب الأخفش وغيره ، من زيادتها في الإيجاب ، أو للبدل أي : بدل عقوبة ذنوبكم ، أو على تضمين ( يغفر ) معنى ( يخلص ) . وادعى الزمخشريّ مجيئه ب ( من ) هكذا في خطاب الكافرين دون المؤمنين في جميع القرآن . قال : وكان ذلك للتفرقة بين خطابين ، ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد . قال في ( الكشف ) : وللتخصيص فائدة أخرى وهي التفرقة بين الخطابين بالتصريح بمغفرة الكل وإبقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على الإيمان . وقوله تعالى : وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي : يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي : آية مما نقترحه تدل على فضلكم علينا بالنبوّة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 11 ] قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي : بالرسالة والنبوة وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي : بأمره وإرادته ،