محمد جمال الدين القاسمي
293
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
موت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها . ويؤيد من يعتمد ذلك بأن الجوهريّ حكى عن ثعلب : أن الأطراف يطلق على الأشراف جمع طرف وهو الرجل الكريم ، وشاهده قول الفرزدق : واسأل بنا وبكم إذا وردت منى * أطراف كلّ قبيلة من يتبع يريد أشراف كل قبيلة . فمعنى الآية : أو لم يروا ما يحدث في الدنيا من الاختلافات : موت بعد حياة ، وذل بعد عزّ ، ونقص بعد كمال ! وإذا كان هذا مشاهدا محسوسا ، فما الذي يؤمنهم من أن يقلب اللّه الأمر عليهم فيذلهم بعد العزة ! ولا يخفاك أن هذا المعنى لا يذكره السلف تفسيرا للآية على أنه المراد منها ، وإنما يذكرونه تهويلا لخطب موت العلماء بسبب أنهم أركان الأرض وصلاحها وكمالها وعمرانها ، فموتهم نقص لها وخراب منها . كما قال أحمد بن غزال : الأرض تحيى إذا ما عاش عالمها * متى يمت عالم منها يمت طرف كالأرض تحيى إذا ما الغيث حلّ بها * وإن أبى عاد في أكنافها التّلف ولذا قال الأزهريّ كما في ( لسان العرب ) : أطراف الأرض نواحيها الواحد طرف ، و نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أي نواحيها ناحية ناحية ، وعلى هذا من فسر ( نقصها من أطرافها ) فتوح الأرضين . وأما من جعل ( نقصها من أطرافها ) موت علمائها فهو من غير هذا ، قال : والتفسير على القول الأول . وقوله تعالى : وَاللَّهُ يَحْكُمُ أي : ما يشاء كما يشاء ، وقد حكم للإسلام بالعز والإقبال . وعلى الكفر بالذل والإدبار ، حسبما يشاهد من المخايل والآثار . وفي الالتفات من التكلم إلى الغيبة ، وبناء الحكم على الاسم الجليل ، من الدلالة على الفخمة وتربية المهابة وتحقيق مضمون الخبر ، بالإشارة إلى العلة ، ما لا يخفى وهو جملة اعتراضية جيء بها لتأكيد فحوى ما تقدمها . وقوله تعالى : لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ اعتراض في اعتراض . لبيان علوّ شأن حكمه تعالى : وقيل : نصب على الحالية كأنه قيل : واللّه يحكم نافذا حكمه - كما تقول : جاء زيد لا عمامة على رأسه ، أي حاسرا . و ( المعقب ) من يكرّ على الشيء فيبطله ، وحقيقته من يعقبه ويقفّيه بالرد والإبطال . أفاده أبو السعود . وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي فعمّا قليل يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا بالقتل والأسر .