محمد جمال الدين القاسمي

294

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 42 ] وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( 42 ) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي مكر الكفار الذين خلوا ، إيقاع المكروه بأنبيائهم والمؤمنين كما مكر هؤلاء ، وقوله : فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً إشارة إلى ضعف مكرهم وكيدهم لاضمحلاله وذهاب أثره ، وأنه مما لا يسوء ، وأن المكر المرهوب هو ما سيؤخذون به من إيقاع فنون النكال ، وهم نائمون على فرش الإمهال ، مما لا يخطر لهم على بال كما يومئ إليه قوله تعالى : يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ أي فيوفيها جزاءها المعدّ لها على ما كسبت من فنون المعاصي التي منها مكرهم ، من حيث لا يحتسبون وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ أي العاقبة الحميدة ، وعلى من تدور الدائرة ، وهذا كقوله تعالى : وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا . . . [ النمل : 50 - 52 ] الآيات . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 43 ] وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فإنه أظهر على رسالتي ، من الحجج القاطعة والبينات الساطعة . وما فيه مندوحة عن شهادة شاهد آخر . قيل : جعل هذا شهادة ( وهو فعل والشهادة قول ) على سبيل الاستعارة ، لأنه يغني عن الشهادة بل هو أقوى . انتهى . ولا يخفى أن الشهادة أعمّ من القول والفعل . على أن المراد من تلك الحجج هي آيات القرآن والذكر الحكيم ، وهي كلامه تعالى ، وقد قال تعالى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ ، قُلْ إِي وَرَبِّي [ يونس : 53 ] . وقوله تعالى : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ أي ومن هو من علماء أهل الكتاب فإنهم يجدون صفة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ونعته في كتابهم من بشارات الأنبياء به . كما قال تعالى : الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ الأعراف : 157 ] ، وقال تعالى : أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 197 ] . ويروى عن مجاهد أنه عنى ب مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ عبد اللّه بن سلام .