محمد جمال الدين القاسمي
291
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يثبت . كل ذلك في كتاب . وعن قتادة : أن هذه الآية كقوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها الآية . تنبيه : تمسّك جماعة بظاهر قوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ فقالوا : إنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ . قالوا : يمحو اللّه من الرزق ويزيد فيه . وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر . قال الرازيّ : هو مذهب عمر وابن مسعود . والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى اللّه تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء . انتهى . أشار بذلك إلى آثار أخرجها ابن جرير عن عمر وابن مسعود . وليس في الصحيح شيء منها . ظهر لي في دمّر في 12 ربيع الأول سنة 1324 : إنّ ما يستدل به الكثير من الآيات لمطلب ما ، أن يدقق النظر فيه تدقيقا زائدا ، فقد يكون سياق الآية لأمر لا يحتمل غيره ، ويظنّ ظانّ أنه يستدل بها في بحث آخر ، وقد يؤكده ما يراه من إطباق كثير من أرباب التصانيف على ذلك وإنما المدار على فهم الأسلوب والسياق والسباق . خذ لك مثلا قوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ فكم ترى من يستدل بها على العلم المعلّق ، ومحو ما في اللوح الذي يسمونه ( لوح المحو والإثبات ) ويوردون من الإشكالات والأجوبة ما لا يجد الواقف عليه مقنعا ولا مطمأنا . مع أنّ هذه الآية ، لو تمعّن فيها القارئ ، لعلم أنها في معنى غير ما يتوهمون . وذلك أنهم كانوا يقترحون على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أوائل البعثة ، أن يأتي بآية كآية موسى وعيسى . توهما أن ذلك هو أقصى ما يدل على نبوة النبيّ في كل زمان ومكان فأعلمهم اللّه تعالى أنّ دور تلك الآيات الحسّيّة انقضى دورها وذهب عصرها . وقد استعدّ البشر للتنبّه إلى الآية العقلية وهي آية الاعتبار والتبصّر . وإن تلك الآيات محيت كما محي عصرها . وقد أثبت تعالى غيرها ممّا هو أجلى وأوضح وأدلّ على الدعوة . وهو قوله تعالى قبلها : وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ . يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ .