محمد جمال الدين القاسمي

278

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقد ضرب سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة مثلين - ناري ومائي - وهو قوله مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ . . . [ البقرة : 17 ] الآية ، ثم قال : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ . . . [ البقرة : 19 ] الآية ، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين أحدهما قوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ . . . [ النور : 39 ] الآية ، والسراب إنما يكون في شدة الحرّ ؛ ولهذا جاء في ( الصحيحين ) : ( فيقال لليهود يوم القيامة : فما تريدون ؟ فيقولون ؟ أي ربنا ! عطشنا فاسقنا . فيقال : ألا تردون ؟ فيردون النار ، فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضا ) « 1 » . ثم قال تعالى في المثل الآخر أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ . . . [ النور : 40 ] الآية ، وفي ( الصحيحين ) عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه ؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : إن مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير . وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا . وأصابت طائفة منها أخرى . أنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ! فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه اللّه بما بعثني ، ونفع به فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ، ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به ، فهذا مثل الماء . « 2 » . وفي ( مسند الإمام أحمد ) عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا ، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار ، يقعن فيها . وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها . قال : فذلكم مثلي ومثلكم . أنا آخذ بحجزكم عن النار : هلمّ عن النار ! فتغلبوني فتتقحّمون فيها « 3 » . . . وأخرجاه في ( الصحيحين ) « 4 » أيضا . فهذا مثل ناريّ . انتهى .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير 4 - سورة النساء ، 8 - باب إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ، حديث رقم 21 ، عن أبي سعيد الخدريّ . وأخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث رقم 302 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 20 - باب فضل من علم وعلّم ، حديث 68 . وأخرجه مسلم في : الفضائل ، حديث رقم 15 . ( 3 ) أخرجه في مسنده 2 / 244 والحديث رقم 7318 . ( 4 ) أخرجه البخاريّ في : الرقاق ، 26 - باب الانتهاء عن المعاصي ، حديث رقم 1610 . وأخرجه مسلم في : الفضائل ، حديث رقم 17 .