محمد جمال الدين القاسمي

266

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والمعقب العون . لأنه إذا أبصر هذا ذاك ، فلا بدّ أن يبصر ذاك هذا ، فتصير بصيرة كل واحد منهم معاقبة لبصيرة الآخر ، فهذه المعقبات لا تخلّص من قضاء اللّه ومن قدره ! وهم وإن ظنوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر اللّه ومن قضائه ، فإنهم لا يقدرون على ذلك البتة ! والمقصود من هذه الجملة : بعث السلاطين والأمراء والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره ، عن حفظ اللّه وعصمته ، ولا يعوّلوا في دفعها على الأعوان والأنصار ، ولذلك قال تعالى بعد : وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً . . . الآية . الثاني : قدمنا أنّ الضمير في لَهُ مُعَقِّباتٌ لمن أسرّ أو جهر . . إلخ . وأرجعه بعضهم للّه ، وما بعده ( لمن ) . قال الشهاب : فيه تفكيك للضمائر من غير داع . وقيل : الضمير ( لمن ) الأخير ، وقيل : للنبيّ لأنه معلوم من السياق . الثالث - أشار الرازي في معنى الآية الأشهر إلى سرّ اختصاص الحفظة ببني آدم ، ما ملخّصه : إنهم يدعون إلى الخيرات والطاعات بما يجده المرء من الدواعي القلبية إليها ، وإن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب . لأن من آمن ، يعتقد جلالة الملائكة وعلوّ مراتبهم ، فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها ، زجره الحياء منهم عن الإقدام عليها ، كما يزجره عنه إذا حضره من يعظّمه من البشر . وإذا علم أن الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال ، كان ذلك أيضا رادعا له عنها . وإذا علم أن الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل . ! إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ أي : من العافية والنعمة حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ أي : من الأعمال الصالحة أو ملكاتها ، التي هي فطرة اللّه التي فطر الناس عليها إلى أضدادها وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً أي : لسوء اختيارهم واستحقاقهم لذلك فَلا مَرَدَّ لَهُ أي : فلا ردّ لقضائه فيهم وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ أي : يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء الذي أراده اللّه بهم بما قدمت أيديهم من تغيير ما بهم . وفيه دلالة على أن تخلف مراده تعالى محال . وإيذان بأنهم بما باشروه من إنكار البعث واستعجال السيئة واقتراح الآية . قد غيروا ما بأنفسهم من الفطرة ، واستحقوا لذلك حلول غضب اللّه تعالى وعذابه - أفاده أبو السعود . تنبيه : في هذه الآية وعيد شديد وإنذار رهيب قاطع ، بأنه إذا انحرف الآخذون بالدين والمنتمون إليه عن جادته المستقيمة ، ومالوا مع الأهواء ، وتركوا التمسك بآدابه