محمد جمال الدين القاسمي

267

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وسنته القويمة ، حلّ بهم ما ينقلهم إلى المحن والبلايا ، ويفرّق كلمتهم ، ويوهي قوّتهم ، ويسلط عدوّهم ! وفي حديث قدسي عند ابن أبي حاتم : ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة اللّه ، فيتحوّلون منها إلى معصية اللّه ، إلّا حوّل اللّه عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون . و لابن أبي شيبة : ما من قرية ولا أهل بيت ، كانوا على ما كرهت من معصيتي ، ثم تحوّلوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي ، إلّا تحوّلت لهم عما يكرهون من عذابي ، إلى ما يحبون من رحمتي . وقال القاشاني : لا بدّ في تغيير النعم إلى النقم ، من استحقاق جليّ أو خفيّ . وعن بعض السلف : إن الفارة مزّقت خفّي . وما أعلم ذلك إلّا بذنب أحدثته ، وإلّا ما سلطها اللّه عليّ ! وتمثّل بقول الشاعر : لو كنت من مازن لم تستبح إيلي أقول : المنقول عن بعض السلف مجمول على شدة الخوف منه تعالى ، وإلّا فالتحقيق الفرق بين ما ينال الشخص والقوم ، كما أشارت له الآية . وقد جوّد الكلام في ذلك ، الإمام ، مفتي مصر في ( رسالة التوحيد ) في بحث الدين الإسلامي فقال : كشف الإسلام عن العقل غمة من الوهم فيما يعرض من حوادث الكون الكبير ( العالم ) والكون الصغير ( الإنسان ) . فقرّر أن آيات اللّه الكبرى في صنع العالم إنما يجري أمرها على السنن الإلهية ! التي قدرها اللّه في علمه الأزلي . لا يغيّرها شيء من الطوارئ الجزئية . غير أنه لا يجوز أن يغفل شأن اللّه فيها . بل ينبغي أن يحيي ذكره عند رؤيتها ، فقد جاء على لسان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللّه » « 1 » . وفيه التصريح بأن جميع آيات الكون تجري على نظام واحد لا يقضي فيه إلّا العناية الأزلية على السنن التي أقامته عليها . ثم أماط اللثام عن حال الإنسان في النعم التي يتمتع بها الأشخاص أو الأمم ، والمصائب التي يرزؤن بها . ففصل بين الأمرين ( الأشخاص والأمم ) فصلا لا مجال معه للخلط بينهما .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الكسوف ، 2 - باب الصدقة في الكسوف ، حديث رقم 584 ، عن عائشة . ومسلم في : الكسوف ، 2 - باب ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف ، حديث رقم 8 .