محمد جمال الدين القاسمي

250

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

عمل فلسطين ، في قوم رحّالين خصاصين في لسان آخر وطاعة أخرى ودين آخر وأمة أخرى ! فلم يكن عند يوسف عليه السلام ، علم بعد فراقه أباه بما فعل ، ولا حيّ هو أو ميت ، أكثر من وعد اللّه تعالى بأن ينبئهم بفعلهم به ، ولا وجد أحدا يثق به ، فيرسل إليه ، للاختلاف الذي ذكرنا . وإنما يستسهل هذا اليوم من يرى أرض الشام ومصر لأمير واحد وملّة واحدة ، ولسانا واحدا وأمة واحدة ، والطريق سابل ، والتجار ذاهبون وراجعون ، والرفاق سائرة ومقبلة ، والبرد ناهضة وراجعة ، فظن كلّ بيضاء شحمة ولم يكن الأمر حينئذ كذلك ، ولكن كما قدمنا ! ودليل ذلك أنه حين أمكنه لم يؤخره ، واستجلب أباه وأهله أجمعين عند ضرورة الناس إليه ، وانقيادهم له للجوع الذي كان عمّ الأرض ، وامتيازهم عنده ، فانتظر وعد ربّه تعالى الذي وعده حين ألقوه في الجبّ فأتوه ضارعين راغبين كما وعده تعالى في رؤياه قبل أن يأتوه ! وأما قول يوسف لإخوته إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ وهم لم يسرقوا الصواع ، بل هو الذي كان قد أدخله في وعاء أخيه دونهم ، فقد صدق عليه السلام لأنهم سرقوه من أبيه وباعوه ، ولم يقل عليه السلام : إنكم سرقتم الصواع ، وإنما قال : نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ [ يوسف : 72 ] ، وهو في ذلك صادق لأنه كان غير واجد له فكان فاقدا له بلا شك ! وأما خدمته عليه السلام لفرعون فإنما خدمه تقية وفي حق لاستنقاذ اللّه تعالى بحسن تدبيره ، ولعل الملك أو بعض خواصّه ، قد آمن به إلّا أن خدمته له على كل حال حسنة وفعل خير ، وتوصل إلى الاجتماع بأبيه وإلى العدل وإلى حياة النفوس ؛ إذ لم يقدر على المغالبة ولا أمكنه غير ذلك ، ولا مرية في أن ذلك كان مباحا في شريعة يوسف عليه السلام بخلاف شريعتنا ، قال اللّه تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : 48 ] وأما سجود أبويه فلم يكن ذلك محظورا في شريعتهما بل كان فعلا حسنا ، وتحقيق رؤياه الصادق من اللّه تعالى . ولعل ذلك السجود كان تحية كسجود الملائكة لآدم عليه السلام . إلّا أن الذي لا شك فيه أنه لم يكن سجود عبادة ولا تذلل وإنما كان سجود كرامة فقط بلا شك ، وأما قوله عليه السلام للذي كان معه في السجن اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [ يوسف : 42 ] ، فما علمنا الرغبة في الانطلاق من السجن محظورة على أحد ! وليس في قوله ذلك دليل على أنه أغفل الدعاء إلى اللّه عزّ وجلّ . لكنه رغّب هذا الذي كان معه في السجن في فعل الخير وحضّه عليه ! وهذا فرض من وجهين : أحدهما وجوب السعي في كفّ الظلم عنه ، والثاني : دعاؤه إلى الخير والحسنات . وأما قوله تعالى فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [ يوسف : 42 ] ، فالضمير الذي في ( أنساه ) وهو الهاء راجع إلى الفتى الذي كان معه في السجن ،