محمد جمال الدين القاسمي

251

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أي : أن الشيطان أنساه أن يذكّر ربه أمر يوسف عليه السلام ؛ ويحتمل أيضا أن يكون أنساه الشيطان ذكر اللّه تعالى ، ولو ذكر اللّه عزّ وجلّ لذكر حاجة يوسف عليه السلام ، وبرهان ذلك قول الله عزّ وجلّ وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف : 45 ] فصحّ يقينا أن المذّكّر بعد أمة هو الذي أنساه الشيطان ذكر ربّه حتى تذكّر . وحتى لو صحّ أن الضمير من ( أنساه ) راجع إلى يوسف عليه السلام لما كان في ذلك نقص ولا ذنب . إذ ما كان بالنسيان فلا يبعد عن الأنبياء ! وأما قوله هَمَّتْ بِهِ ، وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [ يوسف : 24 ] ، فليس كما ظنّ من لم يمعن النظر حتى قال من المتأخرين من قال : ( إنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة ) ومعاذ الله من هذا أن يظن برجل من صالحي المسلمين أو مستوريهم ! فكيف برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! ! فإن قيل : إن هذا قد روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه من طريق جيدة الإسناد ، قلنا : نعم ! ولا حجة في قول أحد إلّا فيما صحّ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقط ! والوهم في تلك الرواية إنما هي بلا شك عمّن دون ابن عباس ، أو لعلّ ابن عباس لم يقطع بذلك إذ إنّما أخذه عمن لا يدري من هو ، ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره ، لأنه رضي اللّه عنه لم يحضر ذلك ولا ذكره عن رسول اللّه ، ومحال أن يقطع ابن عباس بما لا علم له به ! لكن معنى الآية لا يعدو أحد وجهين : إمّا أنه همّ بالإيقاع بها وضربها : كما قال تعالى : وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ [ غافر : 5 ] ، وكما يقول القائل : لقد هممت بك ، لكنه عليه السلام امتنع من ذلك ببرهان أراه اللّه إياه استغنى به عن ضربها . وعلم أن الفرار أجدى عليه وأظهر لبراءته ، على ما ظهر بعد ذلك من حكم الشاهد بأمر قدّ القميص . والوجه الثاني : أن الكلام تمّ عند قوله وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ثم ابتدأ تعالى خبرا آخر فقال وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ وهذا ظاهر الآية بلا تكلف تأويل ، وبهذا نقول . وبرهان ربه هاهنا هو النبوّة وعصمة اللّه عزّ وجلّ إياه ، ولولا البرهان لكان يهم بالفاحشة ، وهذا لا شك فيه ! ولعلّ من ينسب هذا إلى النبيّ المقدس يوسف ، ينزه نفسه الرذلة عن مثل هذا المقام فيهلك . وقد خشي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الهلاك على من ظن به ذلك الظن ، إذ قال للأنصاريين حين لقيهما : هذه صفية « 1 » ! ومن الباطل الممتنع أن يظن ظان أن يوسف عليه السلام همّ بالزنى وهو يسمع قول اللّه تعالى : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ [ يوسف : 24 ] ، ! فنسأل من

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الاعتكاف ، 8 - باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد ، حديث 1031 .