محمد جمال الدين القاسمي

249

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أولها : أنه دعوى لا دليل على صحتها ! وثانيها : أنه لو كان ما ذكر لأمكن أن ينبأ إبراهيم في المهد كما نبئ عيسى عليه السلام ، وكما أوتي يحيى الحكم صبيّا ؛ فعلى هذا القول لعلّ إبراهيم كان نبيّا وقد عاش عامين غير شهرين ، وحاشا للّه من هذا . . . ! وثالثها : أن ولد نوح كان كافرا بنصّ القرآن : عمل عملا غير صالح . فلو كان أولاد الأنبياء لكان هذا الكافر المسخوط عليه نبيّا . وحاشا للّه من هذا . . ! ورابعها : لو كان ذلك ، لوجب ولا بدّ أن تكون اليهود كلهم أنبياء إلى اليوم ، بل جميع أهل الأرض أنبياء ، لأنه يلزم أن يكون الكلّ من ولد آدم لصلبه أنبياء ، لأن أباهم نبيّ ، وأولاد أولادهم أنبياء لأن آباءهم أنبياء وهم أولاد أنبياء ، وهكذا . . . أبدا حتى يبلغ الأمر إلينا ! وفي هذا من الكفر لمن قامت عليه الحجة وثبت عليه - ما لا خفاء به . وباللّه تعالى التوفيق . . ! ثم قال ابن حزم : وذكروا - يعني الكرّامية ومن وافقهم - أيضا أخذ يوسف عليه السلام أخاه ، وإيحاشه أباه عليه السلام منه ، وأنه أقام مدّة يقدر فيها على أن يعرف أباه خبره وهو يعلم ما يقاسي به من الوجد عليه ، فلم يفعل وليس بينه وبينه إلّا عشر ليال ! وبإدخاله صواع الملك في وعاء أخيه ولم يعلم بذلك سائر إخوته ، ثم أمر من هتف أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ [ يوسف : 70 ] ، وهم لم يسرقوا شيئا ، ويقول اللّه تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ، وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [ يوسف : 24 ] ، وبخدمته لفرعون ، وبقوله للذي كان معه في السجن اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [ يوسف : 42 ] . قال ابن حزم : وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه ، ونحن نبين ذلك بحول اللّه تعالى وقوته ، فنقول وبالله تعالى نتأيّد : اما أخذه أخاه وإيحاشه أباه منه فلا شك في أن ذلك ليرفق بأخيه وليعود إخوته إليه ، ولعلهم لو مضوا بأخيه لم يعودوا إليه وهم في مملكة أخرى ، وحيث لا طاعة ليوسف عليه السلام ولا لملك مصر هنالك ، وليكون ذلك سببا لاجتماعه وجمع شمل جميعهم ! ولا سبب إلى أن يظن برسول اللّه يوسف عليه السلام الذي أوتي العلم والمعرفة بالتأويل - إلّا أحسن الوجوه . وليس مع من خالفنا نصّ بخلاف ما ذكرنا . ولا يحل أن يظن بمسلم فاضل عقوق أبيه ، فكيف برسول اللّه صلوات اللّه عليه ؛ وأما ظنّهم - أنه أقام مدة يقدر فيها على تعريف أبيه خبره ولم يفعل - فهذا جهل شديد ممن ظن هذا لأن يعقوب في أرض كنعان من