محمد جمال الدين القاسمي
248
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وفي أي الطرق يسير إلى أن يصل إلينا ؟ فيمر عليه شهر وشهران فيذبل زرعه وتبور أرضه . ! ذلك مثل من يقرأ القرآن ويجعل جل عنايته تطبيقه على كلام المؤرخين أو قواعد النحويين أو الصرفيين وعلماء البلاغة فحسب ! اللهم إلا قدرا يسيرا للفهم ! وهذا - لعمر اللّه - انتكاس على الرأس ، واتخاذ الوسيلة مقصدا ، كمثل من أراد الحج فجعل همته إعداد الذخائر سنين فاختطفته المنون وفارق الحياة ولم يحج ! ذلك مثلهم . ! ! انتهى . المبحث الثاني : احتج من جوز المعصية على الأنبياء - وهم الكرّاميّة والباقلّانيّ - بما جرى من إخوة يوسف وبيعهم أخاهم وكذبهم لأبيهم ، وبما وقع من يوسف نفسه من أخذه أخاه وإيحاشه أباه . قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه اللّه في ( الملل والنحل ) : ما احتجوا به لا حجة فيه : لأن إخوة يوسف ، عليه السلام ، لم يكونوا أنبياء ، ولا جاء قط - في أنهم أنبياء - نصّ لا من قرآن ، ولا من سنة صحيحة ، ولا من إجماع ، ولا من قول أحد من الصحابة رضي اللّه عنهم ! فأما يوسف عليه السلام فرسول اللّه بنص القرآن ، قال عز وجل : وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ . . إلى قوله - مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا [ غافر : 34 ] ، وأما إخوته فأفعالهم تشهد بأنهم لم يكونوا متورعين عن العظائم ، فكيف أن يكونوا أنبياء ! ولكن الرسولين - أباهم وأخاهم - قد استغفرا لهم وأسقطا التثريب عنهم ! وبرهان ما ذكرنا - من كذب من يزعم أنهم كانوا أنبياء - قول اللّه تعالى حاكيا عن الرسول أخيهم أنه قال لهم : أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً [ يوسف : 77 ] ، ولا يجوز البتة أن يقوله لنبي من الأنبياء ؛ نعم ، ولا لقوم صالحين ! ، إذ توقير الأنبياء فرض على جميع الناس ، لأن الصالحين ليسوا شرّا مكانا ! وقد عقّ ابن نوح أباه بأكثر مما عقّ به إخوة يوسف أباهم ، إلّا أن إخوة يوسف لم يكفروا . ولا يحلّ لمسلم أن يدخل في الأنبياء من لم يأت نصّ ولا إجماع أو نقل كافة بصحة نبوّته ! ولا فرق بين التصديق بنبوّة من ليس نبيّا ، وبين التكذيب بنبوّة من صحّت نبوّته منهم ! فإن ذكروا في ذلك ما روي عن بعض الصحابة رضي اللّه عنهم وهو زيد بن أرقم : ( إنما مات إبراهيم ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأنه لا نبيّ بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأولاد الأنبياء أنبياء ! ) فهذه غفلة شديدة وزلة عالم ، من وجوه :