محمد جمال الدين القاسمي
225
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تحضر إخوة يوسف ، حين أجمعوا أمرهم على إلقاء أخيهم في البئر ، وهم يمكرون به ، إذ حثوه على الخروج معهم ، يبغون له الغوائل ، وبأبيهم في استئذانه ليرسله معهم أي فلم تشاهدهم حتى تقف على ظواهر أسرارهم وبواطنها . قال أبو السعود : وليس المراد مجرد نفي حضوره عليه الصلاة والسلام في مشهد إجماعهم ومكرهم فقط ، بل سائر المشاهد أيضا . وإنما تخصيصه بالذكر لكونه مطلع القصة ، وأخفى أحوالها كما ينبئ عنه قوله تعالى وَهُمْ يَمْكُرُونَ والخطاب - وإن كان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - لكن المراد إلزام المكذبين . والمعنى : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، إذ لا سبيل إلى معرفتك إياه سوى ذلك ، إذ عدم سماعك ذلك من الغير ، وعدم مطالعتك للكتب أمر لا يشك فيه المكذبون أيضا ، ولم تكن بين ظهرانيهم عند وقوع الأمر حتى تعرفه كما هو ، فتبلغه إليهم . وفيه تهكم بالكفار ، فكأنهم يشكّون في ذلك فيدفع شكهم . وفيه أيضا إيذان بأن ما ذكر من النبأ هو الحق المطابق للواقع ، وما ينقله أهل الكتاب ليس على ما هو عليه . يعني : أن مثل هذا التحقيق بلا وحي لا يتصور إلا بالحضور والمشاهدة ، وإذ ليس ذلك بالحضور فهو بالوحي . ومثله قوله تعالى : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [ آل عمران : 44 ] ، وقوله : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ . انتهى . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 103 ] وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ يريد به العموم ، أو أهل مكة وَلَوْ حَرَصْتَ أي جهدت كل الجهد على إيمانهم ، وبالغت في إظهار الآيات القاطعة الدالة على صدقك ، بِمُؤْمِنِينَ أي بالكتب والرسل ، لميلهم إلى الكفر ، وسبيل الشر . يعني : قد وضح بمثل هذا النبأ نبوته صلوات اللّه عليه ، وقامت الحجة ، ومع ذلك فما آمن أكثر الناس ، كما قال تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * [ الشعراء : 8 - 67 - 103 - 121 - 139 - 158 - 174 - 190 ] . قال الرازي : ما معناه : وجه اتصال هذه الآية بما قبلها ، أن كفار قريش ، وجماعة من اليهود ، طلبوا من النبيّ عليه الصلاة والسلام قص نبأ يوسف تعنتا ، فكان