محمد جمال الدين القاسمي

198

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

المراد لا محالة ، بل هو تدبير في الجملة . وإنما التأثير وترتيب المنفعة عليه من العزيز القدير ، وإن ذلك ليس بمدافعة للقدر ، بل هو استعانة باللّه تعالى ، وهرب منه إليه . إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي لا يشاركه أحد ، ولا يمانعه شيء عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 68 ] وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 68 ) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي : من الأبواب المتفرقة ما كانَ أي ذلك الدخول يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها أي أبداها ، وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ أي : علم جليل ، لتعليمنا إياه بالوحي ، ونصب الأدلة ، حيث لم يعتقد أن الحذر ، يدفع القدر ، وأن التدبير ، له حظ من التأثير . وفي تأكيد الجملة ب ( إن ) و ( اللام ) وتنكير العلم ، وتعليله بالتعليم المسند إلى ذاته سبحانه ، من الدلالة على شأن يعقوب عليه السلام ، وعلوّ مرتبة علمه وفخامته ، ما لا يخفى - أفاده أبو السعود - . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي فيظنون الأسباب مؤثرات . قال ابن حزم في ( الملل ) : كان أمر يعقوب عليه السلام بدخولهم من أبواب متفرقة ، إشفاقا عليهم ، إما من إصابة العين ، وإما من تعرض عدوّ ، أو مستريب بإجماعهم ، أو ببعض ما يخوّفه عليهم . وهو عليه السلام معترف أن فعله ذلك ، وأمره إياهم بما أمرهم به من ذلك ، لا يغني عنهم من اللّه شيئا يريده عزّ وجلّ بهم . ولكن لما كانت طبيعة البشر جارية في يعقوب عليه السلام ، وفي سائر الأنبياء عليهم السلام ، كما قال تعالى حاكيا عن الرسل أنهم قالوا : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ إبراهيم : 11 ] ، حملهم ذلك على بعض النظر المخفف لحاجة النفس ونزعها وتوقها إلى سلامة من تحب ، وإن كان ذلك لا يغني شيئا ، كما كان عليه السلام يحب الفأل الحسن « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الطب ، 44 - باب الفأل ، حديث 2268 ، عن أنس .