محمد جمال الدين القاسمي
199
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تنبيه : قال السيوطي في ( الإكليل ) : في هذه الآية - على ما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما - أن العين حق « 1 » ، وأن الحذر لا يردّ القدر . ومع ذلك لا بد من ملاحظة الأسباب . انتهى . وقال بعض اليمانين : لهذه الجملة ثمرات وهي : استحباب البعد عن مضارّ العباد ، والحذر عنها . فأما فعل اللّه تعالى فلا يغني الحذر عنه . ثم قال : وفي ( التهذيب ) أن أبا عليّ أنكر الضرر بالعين ، وهو مروي عن جماعة من المتكلمين . وصحح الحاكم والأمير الحسين وغيرهما جواز ذلك ، لأخبار وردت فيها . ثم قال : واختلف من أين أتت المضرة الحاصلة بالعين ، فمن قائل : بأنه يخرج من عين العائن شعاع يتصل بمن يراه ، فيؤثر فيه تأثير السم . وضعفه الحاكم بأنه لو كان كذلك ، لما اختص ببعض الأشياء دون بعض ، ولأن الجواهر متماثلة ، فلا يؤثر بعضها في بعض . ومن قائل : بأنه فعل العائن . قال : وهذا لا يصح ، لأن الجسم لا يفعل في جسم آخر شيئا إلا بمماسّته ، أو ما في حكمها من الاعتمادات ، ولأنه لو كان فعله ، وقف على اختياره . ومن قائل : بأنه فعل اللّه ، أجرى اللّه العادة بذلك لضرب من الإصلاح . وصحح هذا الحاكم ، وهو الذي ذكره الزمخشري والأمير الحسين ، وهو قول أبي هاشم ، ذكره عنهما في ( التهذيب ) انتهى . وقد أوضحه الرازي : بقوله : قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي : إنه لا يمتنع أن تكون العين حقّا ، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحسانا كان المصلحة له في تكليفه أن يغير اللّه ذلك الشخص ، وذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقا به ، فهذا المعنى غير ممتنع . ثم لا يبعد أيضا أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة ، وعدل عن الإعجاب ، وسأل ربه أن يقيه ذلك ، فعنده تتعيّن المصلحة . ولما كانت هذه العادة مطّردة ، لا جرم قيل : العين حق . انتهى . أقول : وقد بسط الإمام ابن القيّم في ( زاد المعاد ) هذا البحث بما يشفي ويكفي ، في ( بحث هديه صلى اللّه عليه وسلم في علاج العين ) بعد إيراده ما روي في الصحيحين وغيرهما من حقيّة العين ، وشهرة تأثيرها عند العرب ، قال :
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الطب ، 36 - باب العين حق ، حديث 2263 ، عن أبي هريرة .