محمد جمال الدين القاسمي

197

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ أي عهدا منه ، ويمينا به ، لتردنّه عليّ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ أي تغلبوا كلكم ، فلا تقدرون على تخليصه . وأصله من : ( أحاط به العدوّ ) سدّ عليه مسالك النجاة ودنا ملاكه . فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ أي شهيد رقيب . والقصد حثهم على ميثاقهم بتخويفهم من نقضه بمجازاته تعالى . قال ابن إسحاق : وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بدّا من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى بهم عنها . لطيفة : قال الناصر : ولقد صدقت هذه القصة المثل السائر ، وهو قولهم : ( البلاء موكل بالمنطق ) فإن يعقوب عليه السلام قال أولا في حق يوسف : وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ [ يوسف : 13 ] ، فابتلي من ناحية هذا القول . وقال هاهنا ثانيا : إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ أي تغلبوا عليه . فابتلي أيضا بذلك ، وأحيط بهم وغلبوا عليه . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 67 ] وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 ) وَقالَ أي أبوهم : يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ أي لئلا يستلفت دخولهم من باب واحد ، أنظار من يقف عليه من الجند ، ومن يعسّ للحاكم ، فيريب بهم ، لأن دخول قوم على شكل واحد ، وزيّ متحد ، على بلدهم غرباء عنه ، مما يلفت نظر كل راصد . وكانت المدن وقتئذ مبوّبة لا ينفذ إليها إلا من أبوابها ، وعلى كل باب حرسه ، وليس دخول الفرد كدخول الجمع في التنبه ، واتباع البصر . وقيل : نهاهم لئلا تصيبهم العين إذا دخلوا كوكبة واحدة - وسيأتي بيانه - . وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي لا أدفع عنكم بتدبيري شيئا مما قضى عليكم ، فإن الحذر لا يمنع القدر . قال أبو السعود : ولم يرد به عليه السلام إلغاء الحذر بالمرة ، كيف لا وقد قال عزّ قائلا : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] ، وقال : خُذُوا حِذْرَكُمْ * [ النساء : 71 و 102 ] . بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب