محمد جمال الدين القاسمي

192

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وهذه الآية أصل في طلب الولاية كالقضاء ونحوه ، لمن وثق من نفسه بالقيام بحقوقه ، وجواز التولية عن الكافر والظالم . وأصل في جواز مدح الإنسان نفسه لمصلحته ، وفي أن المتولي أمرا ، شرطه أن يكون عالما به ، خبيرا ، ذكّي الفطنة - كذا في ( الإكليل ) . قال أبو السعود : وإنما لم يذكر إجابة الملك إلى ما سأله ، عليه السلام ، من جعله على خزائن الأرض ، إيذانا بأن ذلك أمر لا مردّ له ، غنّي عن التصريح ، ولا سيما بعد تقديم ما يندرج تحته من أحكام السلطنة بحذافيرها ، من قوله : إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ، وللتنبيه على أن كل ذلك من اللّه عزّ وجلّ ، وإنما الملك آلة في ذلك . تنبيه : قال ابن كثير : خزائن الأرض هي الأهرام التي يجمع فيها الغلات . . . إلخ . ولم أر الآن مستنده في كون الأهرام كانت مجمع الغلات ، ولم أقف عليه في كلام غيره . و ( الأهرام ) بفتح الهمزة ، جمع هرم بفتحتين وهي مبان مربعة الدوائر ، مخروطية الشكل ، بقي منها الآن ثلاثة في الجيزة ، بعيدة أميالا عن القاهرة ، معدودة من غرائب الدنيا دعيت لرؤياها أيام رحلتي للديار المصرية عام 1321 ه . وقد استقرّ رأي المتأخرين في تحقيق شأنها على أنها كانت مدافن لملوكهم . ففي كتاب ( الأثر الجليل لقدماء وادي النيل ) : جميع الأهرام ليست إلا مقابر ملوكية آثر أصحابها أن يتميزوا بها بعد موتهم عن سائر الناس ، كما تميزوا عنهم مدة حياتهم ، وتوخّوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور ، وتراخي العصور ، وقد أجمع مؤرخو هذا العصر على أن الهرم الأكبر قبر للملك ( خوفو ) والثاني ( خفرع ) والثالث للملك ( منقرع ) وجميعهم من العائلة المنفيسية . ولا عبرة بقول من زعم أنها معابد أو مراصد للكواكب ، أو مدرسة للمعارف الكهنوتية ، أو غير ذلك . انتهى . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 56 ] وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر يَتَبَوَّأُ مِنْها أي ينزل من